Saturday, April 29, 2023

السودانيون يسابقون الزمن للفرار من الحرب


 

على حدود السودان مع جيرانه، تمتد طوابير طويلة من المدنيين الفارين من المعارك العنيفة التي تدور رحاها في البلاد منذ 11 يوما بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

ينتظر المدنيون المنهكون ساعات طويلة على الحدود في ظروف صعبة على أمل العبور إلى بر الأمان، وسط عراقيل يتعلق بعضها بتأشيرات السفر تفاقم معاناتهم وتطيل أمد انتظارهم.

ومع تزايد أعداد الفارين من ويلات الحرب، قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أمس الثلاثاء إنها تتوقع أن يعبر نحو 270 ألف لاجئ حدود السودان متجهين نحو تشاد وجنوب السودان وفق تقرير نشرته صحيفة “الغارديان” (Guardian) البريطانية اليوم الأربعاء.

ولم تتحدث المفوضية الأممية عن توقعاتها بشأن أعداد اللاجئين الفارين نحو مصر وإثيوبيا وبلدان أخرى مجاورة للسودان، وإن كانت قالت إن نحو 20 ألف لاجئ قد عبروا حدود السودان من منطقة دارفور نحو تشاد، بينما عبر نحو 4 آلاف آخرين الحدود إلى جنوب السودان.

وتسببت المعارك العنيفة التي شهدتها العاصمة الخرطوم، وأودت بحياة 459 مدنيا، وأدت إلى شح في إمدادات الغذاء والدواء والمال، في تدافع الناس على الحافلات المتجهة إلى الحدود مع البلدان المجاورة أو إلى بورتسودان حيث يمكنهم المغادرة من ميناء المدينة على متن عبارات متجهة إلى السعودية.

ووفق تقرير الغارديان، الذي نشر تحت عنوان “جائعون ومنهكون ومصدومون.. السودانيون يتدافعون للفرار من وطنهم”، فإن الناس في الخرطوم باتوا يعتمدون على مجموعات أنشئت على تطبيق “واتساب” وصفحات التواصل الاجتماعي لمساعدة الناس على الخروج من الخرطوم توفر المعلومات المتعلقة برحلات الحافلات المتجهة نحو الحدود.

وضع إنساني صعب وقال مراسل الصحيفة كامل أحمد الذي أعدّ التقرير إن آلاف اللاجئين الذين يسابقون الزمن للفرار من ويلات الحرب يعانون بسبب الفوضى التي تسود وسائل النقل ونقص السيولة النقدية في ظل إغلاق البنوك، ومشاكل أخرى تتعلق بتأشيرات الدخول إلى الدول المجاورة والارتفاع السريع الذي شهدته أسعار وسائل النقل، إذ تشير تقارير إلى أن سعر التذكرة في بعض الحافلات بلغ 500 دولار أميركي.

وأبرز التقرير جملة من التحديات التي تواجه الفارين من الصراع وتفاقم ظروفهم الإنسانية الصعبة، فقد أفاد العديد من المسافرين ممن فروا إلى الحدود المصرية بأنهم عالقون في طوابير طويلة من الحافلات التي ازدحم بها الطريق، وتوقف بعضها عند الحدود في انتظار الإذن بالعبور نحو مصر، وقالوا إن بعض اللاجئين لا يسمح لهم بالعبور بسبب نقص في الأوراق المطلوبة.

ونقل عن الناشطة السودانية أسمرة أدانيس قولها إن رحلة شقيقها الذي فر من الخرطوم نحو مصر استغرقت 53 ساعة منذ لحظة مغادرته محطة للباصات في الخرطوم حتى لحظة وصوله إلى المعبر على الحدود المصرية، حيث أمضى ساعات عديدة أخرى في انتظار العبور نحو مصر.

وقالت أدانيس إن الناس يغادرون منازلهم على عجل من دون أن يتمكنوا من أخذ ما يحتاجونه من ضروريات كالملابس والطعام والماء والدواء ومستلزمات الأطفال الصغار.

وأضافت أن بعض المرضى في الخرطوم لا يستطيعون الحصول على أدوية هم بأمسّ الحاجة إليها، وأن هناك أشخاصا من ذوي الاحتياجات الخاصة يعيشون في وضع مزر بسبب ظروف الحرب.

وأورد تقرير الغارديان إفادات أدلى بها العديد من المدنيين في السودان تسلط الضوء على الوضع الإنساني الصعب في الخرطوم التي خرجت معظم مستشفياتها عن الخدمة ويعاني سكانها نقصا في الغذاء والدواء والماء ويعيشون على وقع أزيز الرصاص والقصف في حرب يصعب التكهن بمآلاتها.

Friday, March 17, 2023

نظرية المؤامرة: حين يصبح الجهل أداة حكم - السودان نموذجًا

ما هي نظرية المؤامرة؟
لماذا تنتشر في المجتمعات قليلة التعليم؟
نظرية المؤامرة كأداة في يد الأنظمة الشمولية
السودان في عهد البشير: المؤامرة كسياسة رسمية
الاستهداف الغربي الدائم
دارفور: إنكار الأزمة عبر المؤامرة
الاحتجاجات كمخطط تخريبي
ما بعد الثورة: تغيّر الوجوه وبقاء الخطاب
الثورة “المخطوفة”
شيطنة لجان المقاومة
الانقلاب كضرورة وطنية
الأثر المدمر على الوعي الجمعي
الخلاصة


 في المجتمعات التي تعاني من ضعف التعليم، وغياب التفكير النقدي، وهشاشة الثقة بين المواطن والدولة، لا تبقى نظرية المؤامرة مجرد فكرة هامشية أو تفسير شعبي للأحداث، بل تتحول إلى منظومة فكرية كاملة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتحدد طريقة فهم الناس للواقع، وتُستخدم – بوعي أو دون وعي – كأداة فعالة للسيطرة السياسية. والسودان يمثل مثالًا صارخًا على هذا التحول.

نظرية المؤامرة تقوم على افتراض أن ما يحدث في الواقع لا تحكمه أسباب اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية واضحة، بل قوى خفية تعمل في الظل: دول كبرى، أجهزة استخبارات، منظمات دولية، أو “عملاء” في الداخل. هذا النمط من التفكير يتميز بعدة خصائص:

  • تبسيط مفرط للواقع المعقد

  • غياب الأدلة القابلة للتحقق

  • تحويل أي نقد أو نقاش إلى “جزء من المؤامرة”

  • تقديم تفسير عاطفي بدل التحليل العقلاني

وفي البيئات الهشة معرفيًا، تصبح هذه النظرية أكثر جاذبية من الواقع نفسه.

الانتشار الواسع لنظرية المؤامرة لا يحدث صدفة، بل نتيجة شروط موضوعية:

  1. ضعف التعليم والتفكير النقدي: حين يُربّى الفرد على التلقين لا على السؤال، يصبح أكثر قابلية لتصديق أي رواية جاهزة.

  2. الأزمات المستمرة: الفقر، الحروب، والانهيارات الاقتصادية تولّد شعورًا بالعجز، ونظرية المؤامرة تمنح “عدوًا” يمكن توجيه الغضب نحوه.

  3. غياب الإعلام المستقل: الفراغ المعلوماتي تملؤه الشائعات والخطابات العاطفية.

  4. انعدام الثقة في الدولة: حين تفشل المؤسسات، يبحث الناس عن تفسيرات بديلة، مهما كانت واهية.

الأنظمة السلطوية لا تحارب نظرية المؤامرة، بل تصنعها وتغذيها، لأنها تحقق لها أهدافًا واضحة:

  • إعفاء السلطة من المساءلة

  • خلق عدو دائم يبرر القمع

  • تشتيت النقاش العام بعيدًا عن الفشل والفساد

  • تبسيط السياسة إلى صراع “نحن ضدهم”

وهنا يصبح الخوف بدل الوعي، والانفعال بدل العقل، هو المحرك الأساسي للرأي العام.

خلال حكم عمر البشير (1989–2019)، تحولت نظرية المؤامرة إلى خطاب شبه رسمي.

تم تقديم السودان على أنه ضحية “مؤامرة أمريكية–صهيونية” بسبب:

  • تطبيق الشريعة

  • استقلال القرار السياسي

  • امتلاك موارد طبيعية

وبهذا الخطاب، جرى تفسير العقوبات والعزلة الدولية، دون أي اعتراف بدور الفساد، وسوء الإدارة، والحروب التي أشعلها النظام نفسه.

عندما تفجّرت مأساة دارفور، لم يعترف النظام بجذورها السياسية والاجتماعية، بل روّج لسردية مفادها أن:

  • التقارير الدولية مفبركة

  • المنظمات الإنسانية أدوات استعمارية

  • المحكمة الجنائية الدولية مؤامرة لتفكيك السودان

الهدف لم يكن إقناع العالم، بل تحصين الداخل ومنع أي تعاطف شعبي مع الضحايا أو مساءلة للسلطة.

في كل موجة احتجاج، خصوصًا في 2013 و2018–2019، جرى تصوير المتظاهرين على أنهم:

  • مندسون

  • عملاء سفارات

  • أدوات لتخريب الدولة

وهكذا تحولت المطالب المعيشية البسيطة إلى “تهديد وجودي”، ما مهّد لتبرير العنف والقمع.

بسقوط البشير، لم يسقط خطاب المؤامرة، بل أعاد إنتاج نفسه في مرحلة الحكم العسكري.

تم الترويج لفكرة أن ثورة ديسمبر:

  • صُنعت في الخارج

  • خُطط لها في غرف استخبارات

  • استُخدم فيها الشباب كأدوات

هذا الخطاب استهدف نزع الشرعية عن الفعل الشعبي، وتقليل قيمة التغيير المدني.

بدل الاعتراف بلجان المقاومة كتنظيم شعبي مستقل، جرى تصويرها كـ:

  • خلايا فوضوية

  • أدوات أجندات خارجية

  • تهديد للأمن القومي

وهي تقنية شمولية كلاسيكية لتحويل أي تنظيم مستقل إلى “عدو داخلي”.

عند كل تدخل عسكري، طُرحت رواية جاهزة:

  • الدولة كانت على وشك الانهيار

  • المدنيون يتصارعون بأوامر خارجية

  • الجيش تدخل لإنقاذ السودان

مرة أخرى، جرى تغييب النقاش حول الحكم الرشيد وبناء المؤسسات، لصالح خطاب أمني مؤامراتي.

الخطورة في السودان لا تكمن فقط في استخدام السلطة لنظرية المؤامرة، بل في:

  • تطبيعها اجتماعيًا

  • تداولها يوميًا دون تمحيص

  • استخدامها من أطراف متنازعة متعددة

ما أدى إلى إنهاك العقل الجمعي، وتعطيل أي حوار عقلاني، واستدامة دائرة الفشل السياسي.

تجربة السودان توضح أن نظرية المؤامرة ليست مجرد سوء فهم للواقع، بل أداة حكم في الأنظمة الشمولية، وملاذًا نفسيًا في المجتمعات قليلة التعليم. كسر هذه الحلقة لا يبدأ بتغيير الحكّام فقط، بل بتغيير طريقة التفكير نفسها: تعليم يعلّم السؤال، إعلام يشرح لا يحرّض، ودولة تعترف بالأخطاء بدل الهروب إلى شماعة المؤامرة.

إن إعادة بناء السودان تبدأ من تحرير العقل قبل إعادة بناء الدولة.

AddThis