في المجتمعات التي تعاني من ضعف التعليم، وغياب التفكير النقدي، وهشاشة الثقة بين المواطن والدولة، لا تبقى نظرية المؤامرة مجرد فكرة هامشية أو تفسير شعبي للأحداث، بل تتحول إلى منظومة فكرية كاملة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتحدد طريقة فهم الناس للواقع، وتُستخدم – بوعي أو دون وعي – كأداة فعالة للسيطرة السياسية. والسودان يمثل مثالًا صارخًا على هذا التحول.
نظرية المؤامرة تقوم على افتراض أن ما يحدث في الواقع لا تحكمه أسباب اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية واضحة، بل قوى خفية تعمل في الظل: دول كبرى، أجهزة استخبارات، منظمات دولية، أو “عملاء” في الداخل. هذا النمط من التفكير يتميز بعدة خصائص:
تبسيط مفرط للواقع المعقد
غياب الأدلة القابلة للتحقق
تحويل أي نقد أو نقاش إلى “جزء من المؤامرة”
تقديم تفسير عاطفي بدل التحليل العقلاني
وفي البيئات الهشة معرفيًا، تصبح هذه النظرية أكثر جاذبية من الواقع نفسه.
الانتشار الواسع لنظرية المؤامرة لا يحدث صدفة، بل نتيجة شروط موضوعية:
ضعف التعليم والتفكير النقدي: حين يُربّى الفرد على التلقين لا على السؤال، يصبح أكثر قابلية لتصديق أي رواية جاهزة.
الأزمات المستمرة: الفقر، الحروب، والانهيارات الاقتصادية تولّد شعورًا بالعجز، ونظرية المؤامرة تمنح “عدوًا” يمكن توجيه الغضب نحوه.
غياب الإعلام المستقل: الفراغ المعلوماتي تملؤه الشائعات والخطابات العاطفية.
انعدام الثقة في الدولة: حين تفشل المؤسسات، يبحث الناس عن تفسيرات بديلة، مهما كانت واهية.
الأنظمة السلطوية لا تحارب نظرية المؤامرة، بل تصنعها وتغذيها، لأنها تحقق لها أهدافًا واضحة:
إعفاء السلطة من المساءلة
خلق عدو دائم يبرر القمع
تشتيت النقاش العام بعيدًا عن الفشل والفساد
تبسيط السياسة إلى صراع “نحن ضدهم”
وهنا يصبح الخوف بدل الوعي، والانفعال بدل العقل، هو المحرك الأساسي للرأي العام.
خلال حكم عمر البشير (1989–2019)، تحولت نظرية المؤامرة إلى خطاب شبه رسمي.
تم تقديم السودان على أنه ضحية “مؤامرة أمريكية–صهيونية” بسبب:
تطبيق الشريعة
استقلال القرار السياسي
امتلاك موارد طبيعية
وبهذا الخطاب، جرى تفسير العقوبات والعزلة الدولية، دون أي اعتراف بدور الفساد، وسوء الإدارة، والحروب التي أشعلها النظام نفسه.
عندما تفجّرت مأساة دارفور، لم يعترف النظام بجذورها السياسية والاجتماعية، بل روّج لسردية مفادها أن:
التقارير الدولية مفبركة
المنظمات الإنسانية أدوات استعمارية
المحكمة الجنائية الدولية مؤامرة لتفكيك السودان
الهدف لم يكن إقناع العالم، بل تحصين الداخل ومنع أي تعاطف شعبي مع الضحايا أو مساءلة للسلطة.
في كل موجة احتجاج، خصوصًا في 2013 و2018–2019، جرى تصوير المتظاهرين على أنهم:
مندسون
عملاء سفارات
أدوات لتخريب الدولة
وهكذا تحولت المطالب المعيشية البسيطة إلى “تهديد وجودي”، ما مهّد لتبرير العنف والقمع.
بسقوط البشير، لم يسقط خطاب المؤامرة، بل أعاد إنتاج نفسه في مرحلة الحكم العسكري.
تم الترويج لفكرة أن ثورة ديسمبر:
صُنعت في الخارج
خُطط لها في غرف استخبارات
استُخدم فيها الشباب كأدوات
هذا الخطاب استهدف نزع الشرعية عن الفعل الشعبي، وتقليل قيمة التغيير المدني.
بدل الاعتراف بلجان المقاومة كتنظيم شعبي مستقل، جرى تصويرها كـ:
خلايا فوضوية
أدوات أجندات خارجية
تهديد للأمن القومي
وهي تقنية شمولية كلاسيكية لتحويل أي تنظيم مستقل إلى “عدو داخلي”.
عند كل تدخل عسكري، طُرحت رواية جاهزة:
الدولة كانت على وشك الانهيار
المدنيون يتصارعون بأوامر خارجية
الجيش تدخل لإنقاذ السودان
مرة أخرى، جرى تغييب النقاش حول الحكم الرشيد وبناء المؤسسات، لصالح خطاب أمني مؤامراتي.
الخطورة في السودان لا تكمن فقط في استخدام السلطة لنظرية المؤامرة، بل في:
تطبيعها اجتماعيًا
تداولها يوميًا دون تمحيص
استخدامها من أطراف متنازعة متعددة
ما أدى إلى إنهاك العقل الجمعي، وتعطيل أي حوار عقلاني، واستدامة دائرة الفشل السياسي.
تجربة السودان توضح أن نظرية المؤامرة ليست مجرد سوء فهم للواقع، بل أداة حكم في الأنظمة الشمولية، وملاذًا نفسيًا في المجتمعات قليلة التعليم. كسر هذه الحلقة لا يبدأ بتغيير الحكّام فقط، بل بتغيير طريقة التفكير نفسها: تعليم يعلّم السؤال، إعلام يشرح لا يحرّض، ودولة تعترف بالأخطاء بدل الهروب إلى شماعة المؤامرة.
إن إعادة بناء السودان تبدأ من تحرير العقل قبل إعادة بناء الدولة.

No comments:
Post a Comment