Sunday, January 18, 2026

“تدوير البلاغات” آلية قمعية لتمديد الاحتجاز خارج القانون




شابت عملية اعتقال منيب عبد العزيز جملة من الانتهاكات الحقوقية والقانونية الخطيرة، التي تكشف بوضوح عن نمطٍ ممنهج في التعامل مع النشطاء والثوار خارج إطار سيادة القانون، وتحويل إجراءات العدالة إلى أدوات للتضييق والقمع.

فقد تم اعتقاله دون إبراز مذكرة قانونية صادرة من جهة مختصة، في مخالفة صريحة لأبسط الضمانات الإجرائية التي تكفلها القوانين الوطنية، والتي تشترط أن يتم أي تقييد للحرية بناءً على أمر قانوني مسبب وواضح. كما رافق الاعتقال غياب تام للشفافية بشأن الجهة المسؤولة عن الاحتجاز، حيث ظل الأمر ملتبسًا في مراحله الأولى، قبل أن ينتقل الملف لاحقًا من الشرطة إلى الاستخبارات العسكرية، بما يعكس حالة من التخبط القانوني، ويثير تساؤلات جدية حول مشروعية الإجراءات المتبعة.

وعقب الاعتقال، فُتحت في مواجهة منيب بلاغات أولية ذات طابع كيدي، من بينها بلاغات مثل “الإزعاج العام”، وهي تهم وُجهت دون سند واقعي أو قانوني، ما أدى إلى شطبها لاحقًا لعدم قيامها على أساس قانوني سليم. غير أن شطب هذه البلاغات لم يُفضِ إلى الإفراج عنه، كما يقتضي المنطق القانوني، بل جرى تدوير الاتهام وفتح بلاغات أشد خطورة، دون الاستناد إلى وقائع جديدة أو أدلة مستجدة، في ممارسة تُعد من أخطر أشكال التحايل على القانون، ووسيلة واضحة لتمديد الحبس التعسفي.

إلى جانب ذلك، حُرم منيب وأسرته من حقهم في التواصل المنتظم، ومن المعرفة الواضحة بطبيعة التهم الموجهة إليه في المراحل الأولى من الاحتجاز، وهو ما يشكّل انتهاكًا صريحًا لحقوق المحتجزين، ويقوّض حق الدفاع، ويزيد من معاناة الأسرة نفسيًا ومعنويًا، في ظل غياب المعلومات واليقين القانوني.

إن مجمل هذه الوقائع تمثل نموذجًا مكتمل الأركان للاعتقال التعسفي، وتكشف عن استخدام سياسة تدوير البلاغات كأداة لشرعنة الاحتجاز المطوّل خارج إطار القانون، في انتهاك واضح للحقوق الدستورية، وللمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. كما تعكس هذه الممارسات خطرًا حقيقيًا على الحريات العامة، وتؤكد الحاجة الملحّة إلى مساءلة الجهات المسؤولة، ووقف هذا النهج الذي يقوّض العدالة ويصادر حق المواطنين في التعبير السلمي.

Thursday, January 15, 2026

استهداف الصحفيين كسلاح للحرب العبثية




 كشفت نقابة الصحفيين السودانيين عن تدهور غير مسبوق في أوضاع الحريات الصحفية خلال عام 2025، موثِّقةً 67 انتهاكاً مباشراً، شملت مقتل 14 صحفياً وعاملاً في الإعلام، ما رفع إجمالي الانتهاكات منذ اندلاع الحرب إلى 590 حالة. وأكد التقرير أن الاستهداف تحوّل إلى نمط ممنهج ومنظّم يهدد حق المجتمع في المعرفة ويقوّض فرص السلام.

وأبرز التقرير، الذي اطّلع عليه راديو دبنقا، مدينة الفاشر كبؤرة للخطر الأكبر، حيث سُجِّل اختفاء ثلاثة صحفيين بالتزامن مع أحداث أكتوبر الماضي. كما رصدت النقابة حالات إخفاء قسري واعتقالات تعسفية، واستهدافاً مركباً للصحفيات، بالإضافة إلى 8 انتهاكات عابرة للحدود طالت صحفيين في دول اللجوء. وحذّرت النقابة من استخدام القضاء كأداة لإسكات الأصوات المستقلة عبر تهم أمنية وسياسية، مطالبةً المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لحماية الصحفيين والكشف عن مصير المختفين قسرياً.

مقتل 14 صحفياً


رصدت النقابة مقتل أربعة صحفيين في مدينة الفاشر خلال العام الماضي، وهم:
• تاج السر أحمد سليمان، مدير وكالة “سونا” بالفاشر، عُثر عليه مقتولاً بمنزله في نوفمبر 2025.
• النور سليمان النور، مراسل إذاعة السلام بالفاشر، قُتل جراء قصف مدفعي في أكتوبر 2025.
• أحمد محمد صالح سيدنا ومحمد الفاتح عباس، قُتلا جراء القصف على مدينة الفاشر في أبريل 2025.


كما قُتل حسن فضل المولى موسى، مذيع إذاعة غرب كردفان، برصاص قوات الدعم السريع في مايو 2025.
وأشارت النقابة أيضاً إلى أن يحيى حماد فضل الله، وهو كاتب وإعلامي، توفي في يناير 2025 بعد تدهور حالته الصحية، نتيجة تعرضه للتعذيب أثناء اعتقاله من قبل استخبارات الجيش.
كما تمت تصفية عبد الهادي عيسى، رئيس قسم الأخبار بقناة أم درمان، على يد قوات الدعم السريع في فبراير 2025.
وقُتل أربعة من فريق هيئة تلفزيون السودان، وهم: فاروق الزاهر، مجدي عبد الرحمن، إبراهيم مضوي، ووجه جعفر، إثر استهدافهم بمسيّرة انتحارية أثناء تغطية ميدانية في الخرطوم في مارس 2025.
أما الطيب محمد الطيب، كاتب صحفي، فقد قُتل برصاصة في الرأس في منطقة الحاج يوسف في مايو 2025.
وتتحمل قوات الدعم السريع مسؤولية مقتل 12 صحفياً خلال العام الماضي، بينما تتحمل القوات النظامية مقتل صحفي واحد، في حين لم تُنسب مسؤولية مقتل الصحفي الرابع عشر إلى أي جهة.


إخفاء قسري وملاحقات قضائية


وشملت الانتهاكات التي وثقتها النقابة حالات إخفاء قسري بلغت (6) حالات، واعتقالات طويلة الأمد (4) حالات، إضافة إلى الاعتقال والاحتجاز التعسفي المؤقت في (9) حالات. كما رصد التقرير (8) حالات استهدفت صحفيين سودانيين في المنفى، لا سيما في مصر وليبيا.


ورصدت النقابة كذلك أربع ملاحقات قضائية، شملت تحريك بلاغات جنائية بتهم تصل عقوبتها إلى الإعدام (تقويض النظام الدستوري) ضد كل من رشا عوض، صباح محمد الحسن، ماهر أبو الجوخ، وشوقي عبد العظيم.


ووَثَّق التقرير 19 حالة من خطاب الكراهية، تضمنت تهديداً وتشهيراً، استهدفت مراسلي القنوات الإعلامية.


كما رصدت النقابة ثلاثة أنماط من التضييق، شملت سحب التراخيص، وفرض قيود إجرائية، والتدخل في العمل النقابي.


توصيات


وأوصى التقرير أطراف النزاع بالالتزام بحماية الصحفيين بوصفهم مدنيين، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين. كما دعا السلطات المدنية إلى وقف التضييق المؤسسي واحترام استقلالية النقابة.
وطالب المجتمع الدولي والدول المستضيفة بتوفير برامج حماية عاجلة، وضمان سلامة الصحفيين في دول اللجوء.

Thursday, November 28, 2024

حرب أبريل العبثية وإرهاصات المجاعة

 



يواجه السودان أزمة حادة في الأمن الغذائي، وقد صُنِّف ضمن الدول التي تعاني من مستويات جوع هي من بين الأسوأ عالميًا. وبحسب بيان المتحدثة المساعدة باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فإن أكثر من 24.6 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي. وتظهر حسابات مؤشر استراتيجية التكيف المخفض (rCSI) أن معظم الأسر في مختلف أنحاء البلاد تستخدم اليوم استراتيجيات متعددة للتكيف مع الجوع، في حين تسجل الأسر في ولايتي دارفور والخرطوم أدنى معدلات التكيف بسبب محدودية الموارد المتاحة، والتي لا تكفي في المتوسط لتلبية الاحتياجات الغذائية لأكثر من أسبوع واحد.

إمكانيات زراعية ضخمة ومخزون حيواني واعد تمثل الزراعة والإنتاج الحيواني الركيزة الأساسية للأمن الغذائي في السودان، إذ تتوافر كل مقوماتهما من حيث المساحات الشاسعة، والمياه، والتنوع المناخي، والأراضي الخصبة، بما يعادل نحو ثلث مساحة السودان البالغة 1,886,068 كيلومترًا مربعًا (728,215 ميلًا مربعًا). وتُقدَّر المساحة الصالحة للزراعة بنحو 41.8 مليون فدان، منها حوالي 1.9 مليون هكتار (4.7 مليون فدان) من الأراضي المروية. أما القطاع المطري التقليدي فتبلغ مساحته المزروعة نحو 23 مليون فدان، ويؤدي دورًا كبيرًا في توفير الغذاء، حيث يُنتج محاصيل رئيسية مثل الذرة الرفيعة (11% من إنتاج السودان)، والدخن (90%)، والذرة الصفراء، والسمسم (28%). ويتذبذب الإنتاج في هذا القطاع تبعًا لكمية الأمطار وتوزيعها، ويعمل فيه ما يقارب 55% من القوى العاملة الزراعية.

أما الثروة الحيوانية، فقد قُدّر حجم القطيع القومي عام 2020 بنحو 109,925,000 رأس (31,787,000 من الأبقار، 41,000,000 من الضأن، 32,218,000 من الماعز، و4,920,000 من الإبل). ويتركز نحو 80% من هذا القطيع في القطاع التقليدي المعتمد على المراعي الطبيعية. كذلك يُقدَّر المخزون السمكي بنحو 72 ألف طن سنويًا، موزعة بين النيل وروافده التي يبلغ طولها 6400 كيلومتر بمساحة 2 مليون هكتار، إضافة إلى بحيرات الخزانات والمياه الإقليمية في البحر الأحمر، فضلًا عن الموارد المائية غير النيلية المقدَّرة بـ 2.8 مليار متر مكعب، والتي تمثل جميعها مصادر محتملة لتعزيز إنتاج الأسماك، إلى جانب الاستزراع السمكي.

وفقًا لتقييم بعثة المحاصيل والإمدادات الغذائية (CFSAM)، بلغ إجمالي إنتاج الحبوب في موسم 2021/22 حوالي 5.1 مليون طن متري (منها 700 ألف طن قمح و3.5 مليون طن ذرة رفيعة)، في حين تُقدَّر الحاجة الاستهلاكية بنحو 7.6 مليون طن متري (2.4 مليون طن قمح و5.2 مليون طن ذرة).

تفاقم الأزمة بسبب الحرب لقد أدت الحرب المندلعة منذ منتصف أبريل 2023 إلى تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث لحقت أضرار جسيمة بالقطاعين الزراعي والحيواني، وقدرت الخسائر بحوالي 2.2 مليار دولار. وتشير التقديرات الأولية إلى خروج نحو 3 ملايين فدان عن دائرة الإنتاج، ودخول أكثر من 800 ألف مزارع في دائرة العوز، خاصة بعد وصول الحرب إلى ولاية الجزيرة التي تضم أكبر مشروع زراعي مروي في أفريقيا بمساحة 2.3 مليون فدان. هذا المشروع، الذي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني ومصدر دخل لأكثر من مليون أسرة، تعرض لانهيار شبه كامل نتيجة القتال والفوضى الأمنية، حيث دُمِّرت بنيته التحتية، وأُتلفت قنوات الري، ونُهبت مدخلات الإنتاج. كما شمل الانهيار مشروعات مروية أخرى مثل سنجة والسوكي (120 ألف فدان ويعمل فيهما 12 ألف مزارع)، فضلًا عن تضرر المشاريع المطرية في الدالي، المزموم، الرهد، والفاو، والتي خرجت جميعها تقريبًا من دائرة الإنتاج.

القطاع المطري التقليدي لم يسلم هو الآخر من الخراب، حيث نزح أغلب المزارعين رغم أن نحو 85% من السكان في هذه المناطق يعتمدون عليه. أما في المناطق الآمنة نسبيًا شمالي وشرقي السودان، فقد تقلص حجم تمويل المزارعين بنسبة تقارب 90%، بينما ارتفعت تكاليف الإنتاج بصورة هائلة نتيجة تضاعف أسعار الوقود (بأكثر من 400% في بعض المناطق التي تعتمد على الطلمبات)، إضافة إلى نقص الإمداد الكهربائي للمشروعات المروية وارتفاع أسعار الأسمدة.

كذلك تقلصت مساحة المراعي الطبيعية بنسبة 65%، وتعرضت للتلوث بفعل القذائف والألغام. وقد أدى الصراع إلى تراجع تقديم الخدمات البيطرية بنسبة 64%، خاصة فيما يتعلق بالتطعيم، ومكافحة الأوبئة، وخدمات الإرشاد، وتأهيل المراعي. وقد أدى الصراع إلى تراجع تقديم الخدمات البيطرية بنسبة 64%، خاصة فيما يتعلق بالتطعيم، ومكافحة الأوبئة، وخدمات الإرشاد، وتأهيل المراعي. كما دُمرت البنية التحتية لقطاع الثروة الحيوانية، بما في ذلك المعمل المركزي لإنتاج اللقاحات والأمصال، وتعرضت المستشفيات البيطرية للنهب، وتوقفت العمليات الفنية بسبب غياب الأمن. وانعكس ذلك على انتشار الأمراض الحيوانية الوبائية في مناطق كانت تُعرف تاريخيًا بالإنتاج الوفير.

انهار كذلك قطاع الألبان والدواجن لفقدانه مقومات الإنتاج الأساسية، بينما واجه المربون صعوبات هائلة في تسويق مواشيهم بسبب إغلاق الأسواق، وغياب المشترين، وصعوبة الوصول إلى مناطق الاستهلاك، فضلًا عن تفشي السرقة والنهب في ظل الانهيار الأمني. وإلى جانب ذلك، تخلى كثير من الرعاة والكوادر المدربة عن مهنتهم بانضمامهم إلى صفوف المقاتلين، ومن غير المرجح أن يعودوا مستقبلًا إلى مهنة الرعي. وعلى ضوء هذه التطورات، أصبحت البلاد تواجه أزمة أمن غذائي خانقة، مع مؤشرات واضحة تنذر بالمجاعة.

سبيل النجاة من الكارثة إن معالجة هذه الأزمة تتطلب قبل كل شيء إيقاف الحرب وفتح الممرات الإنسانية لتوصيل المساعدات، إلى جانب تبني استراتيجيات طويلة الأمد وسياسات تشجع على الإنتاج الزراعي والحيواني، وتعزز البحث العلمي والتطوير، وتحسن البنية التحتية وسلاسل التوريد، والاستثمار في التقنيات الرقمية لتحقيق استدامة الأمن الغذائي في المستقبل.

Saturday, June 29, 2024

التعليم احد ضحايا حرب ابريل العبثية و مهددات تقسيم البلاد

 



أطفأت الحرب بهجة “مروان” (6 أعوام) الذي كان يستعد للذهاب إلى المدرسة اعتبارًا من نهاية العام 2023 ضمن تلاميذ الصف الأول بمدرسة خاصة تقع جنوب العاصمة السودانية، وبدلًا عن ذلك وجد نفسه نازحاً في مدينة دنقلا شمال السودان داخل مركز إيواء، اعتقد للوهلة الأولى أنه سيدرس في هذا المكان.

مع إصرار الحكومة السودانية التي تتخذ من مدينة بورتسودان شرق البلاد عاصمة مؤقتة على فتح المدارس في الولايات الآمنة، فإن ملايين الأطفال في المناطق الساخنة لم يعثروا على حل بشأن مصيرهم، ما يعني فعلياً انقسام السودان ما بين مناطق يتوفر فيها التعليم وأخرى لم تنجو من القذائف الصاروخية.

في إقليم كردفان الواقع غربي البلاد، فر 2.5 مليون طفل مع عائلاتهم إلى خارج الإقليم، بعضهم لجأ إلى دول الجوار، وتشكل هذه الإحصائية الصادرة من المجلس القومي للطفولة أكبر حالة نزوح للأطفال على مستوى دول الإقليم.

يركض في فناء مخيم يركض الطفل مروان في فناء مركز الإيواء بمدينة دنقلا الواقعة على بعد 600 كيلومتر شمالي العاصمة السودانية وقت الظهيرة مع درجات حرارة مرتفعة، لا يعبأ لمصيره عما إذا كان سيبقى هنا طويلًا بلا تعليم أم يحالفه الحظ وتتوقف الحرب. بينما تقول والدته مريم (35 عاماً) لـ(سودان تربيون) إن طفلها سألها في أول يوم وصل فيه إلى مخيم الإيواء هرباً من جحيم الحرب في الخرطوم إن كانت هذه هي المدرسة التي سيرتادها، وجاء الرد من خلال دموعها التي أغنته عن الإجابة.

تُقدر منظمة "اليونيسيف" عدد الأطفال الذين ظلوا بلا مدارس خلال الحرب بـ 18 مليون طفل، ومع دخول القتال العام الأول قد تقفز الإحصائية من 19 إلى 21 مليون طفل نتيجة وصول بعض الأعمار إلى سن الدراسة، طبقاً للباحث أحمد المأمون.

يتوارى الأمل لا ترى صفية محمد حسن، وهي مديرة مدرسة حكومية في العاصمة، "أملًا قادمًا في الطريق" لينقذ أطفال السودان من أزمة التعليم. وتحدثت عن "أسباب جوهرية" تعطل المدارس، منها نزوح الأطفال ومغادرة البعض للخارج، والسبب الثاني "البطون الخاوية" التي أصابت غالبية النازحين داخليًا، مما جعل فكرة إرسال طفل للمدرسة نوعاً من الرفاهية.

وتُرجح حسن انخراط جزء كبير من الأطفال (12-18 عاماً) في القتال، إما لجلب المال لعائلاتهم أو بحثاً عن تحدٍ جديد، كونهم لا يدركون مخاطر التجنيد. وتعزو الأزمة إلى مشكلات هيكلية بدأت حكومة حمدوك في معالجتها قبل انقلاب 25 أكتوبر 2021.

حُلم فوق وسادة بلاستيكية في بورتسودان، يقول علي حسن (60 عاماً) النازح من الخرطوم: "أطفالنا لا يذهبون إلى المدرسة هنا". في فناء المدرسة التي تحولت لمخيم إيواء، يضيف: "إذا أردت إرسالهم للمدرسة يجب أن أحصل على وظيفة ومال لسداد إيجار منزل، وهذا مستحيل فنحن لا نتلقى دعماً من أي جهة".

الحل وقف الحرب يعتقد مالك دهب، المسؤول السابق بشمال دارفور، أن السودان لا يمكنه المضي قدماً في التعليم قبل وقف الحرب، مؤكداً أن المبادرات يجب أن تكون شاملة لجميع الأطفال.

أسوأ أزمة تعليمية تؤكد مانديب أوبراين، ممثلة اليونيسيف في السودان، أن البلاد تواجه أسوأ أزمة تعليمية عالمياً، حيث يوجد 18 مليون طفل بلا تعليم. وكشفت عن تحول 14% من المدارس في السودان إلى مراكز إيواء. وأشارت إلى أن اليونيسيف أنشأت ألف مساحة تعليمية آمنة ودعمت منصة رقمية مجانية للوصول للمناهج السودانية.

نقطة سوداء وبصيص أمل يوضح سعيد حجازي، نائب منسق مشروع "الشعب المعلم" بشندي، أن توقف المدارس ضاعف المشكلات النفسية لطلاب الشهادة السودانية، مما دفع الكثيرين لسوق العمل أو الزواج المبكر. وفي الدمازين، نجح مشروع "الشعب المعلم" في افتتاح مراكز تعليمية استوعبت مئات الأطفال النازحين.

الحلول الحكومية انطلق العام الدراسي في ولايات مثل الشمالية والبحر الأحمر ونهر النيل في مايو 2024. في البحر الأحمر، انتظم 136 ألف طالب في المدارس، مع الإبقاء على 60 مدرسة كمراكز إيواء وتوزيع طلابها على مدارس قريبة.

ملامح تقسيم السودان يحذر سامي الباقر، المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، من أن الإجراءات الحكومية لفتح المدارس في مناطق دون أخرى تقود لتقسيم السودان، لأن مصير الأطفال في مناطق النزاع يظل مجهولاً، مطالباً بتوفير أجور المعلمين وتخصيص مواقع بديلة للنازحين المقيمين في المدارس.

بينما يرى مسؤول بوزارة التربية والتعليم أن استئناف التعليم وتأهيل المدارس يحتاج لتمويل يقدر بمليار دولار سنوياً وضمانات بعدم اتساع رقعة الحرب.

Monday, January 22, 2024

الصحافة في أزمنة الحرب..استهداف الصحفيين وقصف الحقيقة

 




ظل طرفي الصراع في السودان، يستهدفان الصحفيين ويمارسان عليهما ضغوط تمنعهم من ممارسة عملهم وتعترض طريقهم، كلما اجتهدوا في الوصول لموقع الحدث لتوثيق الحقيقة ونقل المعلومة من مصادرها وجدوا أنفسهم محاصرين من قبل قوة مدججة بالسلاح، لايهم لمن تتبع فالطرفين سيان في التعامل مع الصحفي فهو العدو الأول مخبر، متعاون، جاسوس ..ألخ من الاتهامات، قل ما يفلت الصحفي من الحصار ويعود سالمًا، بعضهم لقوا حتفهم وبعضهم تعرض لاحتجاز في ظروف احتجاز غير قانونية مع ممارسة التعذيب والقمع.

تتفاقم معاناة الصحفيين السودانيين مع استمرار الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات السريع والتي دخلت شهرها العاشر منذ منتصف أبريل 2023، وأصبح العمل الصحفي أشبه بالمخاطرة، ويعرض الصحفي نفسه للموت ويدفع حياته ثمنًا في سبيل البحث عن المعلومة وتوثيق الحقيقة.

المفارقة أن الطرفين يمنعان الصحفيين من نقل المعلومة للمواطنين، بينما يدعي منسوبيهما منذ بداية الحرب بتوثيق ونقل المعلومة من موقع الحدث، عبر بث مقاطع مرئية حية ومباشرة، لإلحاق الهزيمة بالعدو والاحتفال بالانتصارات، ومع ذلك يمنعون الصحفيين حتى من التأكد من صحة تلك المعلومات.

249 انتهاكًا خلال عام واحد: ورصدت نقابة الصحفيين السودانيين في التقرير السنوي الأول عن أوضاع الحريات الصحفية في السودان، حيث بلغت 249 حالة انتهاك تعرض لها الصحفيات والصحفيون، وذكرت في التقرير المنشور في المواقع أن عدد التقلي 4 ، 23 حادثة تهديد، 17 حالة اطلاق نار، 93 اقتحام ونهب لبيوت الصحفيين، وبلغ عدد حالات الاحتجاز 28 والاعتقال 18، إضافة إلى 25 حالة ضرب ونهب، بينما بلغت حالات الاعتداء على المؤسسات 22 حالة، حالتي اختفاء قسري ومثلهما منع من السفر.

ومازالت الانتهاكات مستمرة باستمرار الحرب ووصلت حد القتل مثل حادثة مقتل الإعلامي بقناة النيل الأزرق أحمد يوسف عربي، لازالت الروايات متضاربة عن إصابته برصاصة طائشة من أفراد من الجيش والبعض يتحدث عن تصفيته. بالإضافة للاعتقال على أساس الهوية من قبل طرفي الصراع واستمرار حالات الاختفاء القسري مثل الصحفي بوكالة السودان للأنباء عبدالرحمن واراب المخفي قسريا وفي حالة احتجاز غير مشروع من أكثر من ستة أشهر.

تقدير موقف: كشفت ورقة عمل أعدها وزير الثقافة والإعلام السابق فيصل محمد صالح، تحصل “راديو دبنقا” على نسخة منها، عن الخسائر التي تعرضت لها جميع وسائل الإعلام بأشكاله المختلفة، المرئي، المسموع، المقروء والالكتروني، وكشفت عن أن أكثر من 80% من وسائل الإعلام السودانية لم تعد تعمل. وتجد نسبة مماثلة من العاملين في وسائل الإعلام أنفسهم عاطلين عن العمل، ما يؤكد تأثر الإعلام السوداني بشكل كبير بالحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023.

أوضاع الصحفيين والإعلاميين: أوردت ورقة فيصل التي تمثل “تقدير موقف” لوضع الصحفيين حاليًا في ظروف الحرب مع مقترحات لحلول ومعالجات شاملة، عدد الصحفيين المسجلين لدى نقابة الصحفيين السودانيين والذين يقترب عددهم من ألفين (2000)، لكنها أكدت أن العدد الفعلي للعاملين في المهنة يفوق ذلك، خاصة في مدن الولايات خارج العاصمة. ويمكن القول أن حوالي 80% من الصحفيين حالياً عاطلون عن العمل ولا يحصلون على أجر شهري. وأشارت إلى معظم المؤسسات الإعلامية توقفت عن عملها ما أدى إلى توقف الرواتب. حتى أن بعض العاملين في بعض الولايات يشكون من عدم استلام رواتبهم. مثل مئات الآلاف من السودانيين، وأكدت أن مئات الصحفيين هاجروا إلى ولايات أخرى في ظروف صعبة للغاية، حيث وجدوا صعوبة في تغطية نفقات الإيجارات الباهظة وغيرها من ضروريات الحياة.

لكن بعض الصحفيين الذين نزحوا إلى ولايات أخرى اضطرتهم ضغوط الحياة وظروف المعيشة القاسية إلى امتهان مهن أخرى، رغم تمسكهم بالمهنة.

احتياجات ملحة: أوصت الورقة على ضرورة دعم وسائل الإعلام القائمة: الدعم المالي والفني والمهني لوسائل لإعلام الموجودة في السودان، بما في ذلك التمويل والمعدات الفنية والتدريب على السلامة أثناء الحرب. ورأت أن يتم التنسيق مع نقابة الصحفيين السودانيين لتقديم الدعم والحماية المباشرة للصحفيين الذين يواجهون التهديدات، وتوفير مساحات آمنة، والدعم المالي، والرعاية الصحية. كما دعت الورقة إلى توفير فرص عمل جديدة للصحفيين السودانيين من خلال السماح بمقترحات إنشاء صحف جديدة ومنصات إلكترونية مع التدريب المهني المناسب.

ونادت التوصيات التي أوردتها ورقة وزير الإعلام السابق والكاتب بصحيفة الشرق الأوسط فيصل محمد صالح، بضرورة تصميم حملة تضامن دولية لتسليط الضوء على ظروف عمل الصحفيين السودانيين خلال الحرب، والتأكيد على التهديدات التي يواجهونها، مثل القتل والقيود على حقهم في العمل. ويجب أن تدعو الحملة إلى حماية الصحفيين في مناطق النزاع والاعتراف بحقهم في العمل الآمن في اتفاقيات تسهيل الحركة والمساعدات الإنسانية بين الأطراف المتحاربة.

فقاعات إعلامية: يعتقد الصحفي الفاتح وديدي أن أول ضحايا الحروب هي الحقيقة وما يحدث الآن قبل أن يكون هنالك قصف بالدانات على المواطنين، المنشآت، المراكز الخدمية أو استهداف المنافع الحربية هو استهداف للحقيقة، أو قصف للحقيقة، ويرى أن الحقيقة واضح أنها المغيب الأول في هذه المعارك.

ويقول الفاتح لـ”راديو دبنقا” إنَّ كل الأطراف المتصارعة من مصلحتها أن لا يكون هنالك صحافة حرة ونزيهة، وتغييبها في مثل هذه الأوضاع يكون مقصود، لأنه كل الفاعلين الحربيين في المشهد يحاولون التغطية على الحقائق، يطفوا سيولة على المشهد لكي يكونوا هم الصوت الوحيد لابراز المعلومات وبذلك، كما يرى، يتأتى لهم سيطرة متوهمة أو متخيلة على المشهد وهذا الأمر يساهم في ازدياد حدة الاستقطاب، لأن المعلومة المتاحة هي من طرف واحد وما من سبيل ليتم التحقق منها ومعرفة الصحيح من الزائف، والمضلل والمفبرك.

ومن وجهة نظر الفاتح كما يقول “نحن أصلًا في عصر ما بعد الحقيقة وفكرته قائمة على أن كل الناس تعيش في حالة استقطاب وكل يغرف مما يليه”، ويضيف” كلنا موجودين في فقاعات إعلامية يقرينا المشهد من وجهة واحدة، وبالتأصيل الديني لا أريكم إلا ما أرى ليس هنالك شئ مبذول إلا من الوجهة التي ينظر بها من يتحكم في الإعلام”.

ويرى أن هذا الأمر يتيح سيطرة متخيلة أو متوهمة على المشهد تتيح انتصار معنوي أو مريح نفسيًا، وهذه هي طبيعة المعارك أو كما يستشهد لنا بمقولة غوبلز الشهيرة “إكذب.. إكذب حتى يصدقك الناس” وجوزيف غوبلز كان بوق إعلام هتلر.

ومواصلة لذات الرأي يصف الصحفي اسماعيل محمد علي مراسل موقع “اندبندنت عربية” في الخرطوم في حديثه لـ”راديو دبنقا”: واقع الصحافة في السودان بأنه مؤلم جدًا وسجلها مخزٍ. أرجع ذلك إلى أن البلاد ظلت في أغلب سنواتها منذ الاستعمار تحت الحكم الديكتاتوري. ويرى أن الآن الأمر أصبح أكثر سوءً في ظل الحرب المشتعلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ 15 إبريل الماضي، لأن الطرفين غير ملمان بقواعد العمل الصحفي باعتباره الكيان المحايد، والذي يتلقى من الجمهور معلومات تتعلق بما يدور من معارك وتطورات في هذا الجانب.

الهوية الصحفية دليل إدانة: وعن تجربته الشخصية أي في رحلته اليومية كصحفي يقوم بواجبه في البحث عن الحقيقة ومحاولاته في الوصول لموقع الحدث، وذلك بسبب التضليل الذي بدأ مع بداية اندلاع الحرب فقد ضاعت الحقيقة وتم إقصاء الصحفيين بعنف وبطش لكي لا يستوثقوا مما يبثه إعلام الطرفين.

يقول إسماعيل: إنَّه ظل موجودًا في الخرطوم لأكثر من شهرين لتغطية الاحداث وهي مؤلمة للغاية، ويشير إلى أنه لم يكن يستطيع اشهار سفي ويتعرض لمعاملة سيئة، وهذا طبعا حدث لعدد من الزملاء والزميلات، خلال تغطيتهم لأخبار الحرب، ويضيف: وفقدنا وأرواح لزملاء معروفين وهم يمارسون عملهم المهني. كان أيضًا من الصعب عليهم كما قلت اشهار الهوية الصحفية، خاصة في التعامل والاتصال بمنظمات الحماية المختصة بحماية الصحفيين، واحدة من الخيارات المهمة فضلًا عن عدم كشف الهوية الصحفية وعدم التحرك المنفرد كحد أدنى، وآخرها يتمثل في التوثيق والكشف أول بأول كل عن أي حالة انتهاك يتم التعرض له الصحفي.

Saturday, April 29, 2023

السودانيون يسابقون الزمن للفرار من الحرب


 

على حدود السودان مع جيرانه، تمتد طوابير طويلة من المدنيين الفارين من المعارك العنيفة التي تدور رحاها في البلاد منذ 11 يوما بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

ينتظر المدنيون المنهكون ساعات طويلة على الحدود في ظروف صعبة على أمل العبور إلى بر الأمان، وسط عراقيل يتعلق بعضها بتأشيرات السفر تفاقم معاناتهم وتطيل أمد انتظارهم.

ومع تزايد أعداد الفارين من ويلات الحرب، قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أمس الثلاثاء إنها تتوقع أن يعبر نحو 270 ألف لاجئ حدود السودان متجهين نحو تشاد وجنوب السودان وفق تقرير نشرته صحيفة “الغارديان” (Guardian) البريطانية اليوم الأربعاء.

ولم تتحدث المفوضية الأممية عن توقعاتها بشأن أعداد اللاجئين الفارين نحو مصر وإثيوبيا وبلدان أخرى مجاورة للسودان، وإن كانت قالت إن نحو 20 ألف لاجئ قد عبروا حدود السودان من منطقة دارفور نحو تشاد، بينما عبر نحو 4 آلاف آخرين الحدود إلى جنوب السودان.

وتسببت المعارك العنيفة التي شهدتها العاصمة الخرطوم، وأودت بحياة 459 مدنيا، وأدت إلى شح في إمدادات الغذاء والدواء والمال، في تدافع الناس على الحافلات المتجهة إلى الحدود مع البلدان المجاورة أو إلى بورتسودان حيث يمكنهم المغادرة من ميناء المدينة على متن عبارات متجهة إلى السعودية.

ووفق تقرير الغارديان، الذي نشر تحت عنوان “جائعون ومنهكون ومصدومون.. السودانيون يتدافعون للفرار من وطنهم”، فإن الناس في الخرطوم باتوا يعتمدون على مجموعات أنشئت على تطبيق “واتساب” وصفحات التواصل الاجتماعي لمساعدة الناس على الخروج من الخرطوم توفر المعلومات المتعلقة برحلات الحافلات المتجهة نحو الحدود.

وضع إنساني صعب وقال مراسل الصحيفة كامل أحمد الذي أعدّ التقرير إن آلاف اللاجئين الذين يسابقون الزمن للفرار من ويلات الحرب يعانون بسبب الفوضى التي تسود وسائل النقل ونقص السيولة النقدية في ظل إغلاق البنوك، ومشاكل أخرى تتعلق بتأشيرات الدخول إلى الدول المجاورة والارتفاع السريع الذي شهدته أسعار وسائل النقل، إذ تشير تقارير إلى أن سعر التذكرة في بعض الحافلات بلغ 500 دولار أميركي.

وأبرز التقرير جملة من التحديات التي تواجه الفارين من الصراع وتفاقم ظروفهم الإنسانية الصعبة، فقد أفاد العديد من المسافرين ممن فروا إلى الحدود المصرية بأنهم عالقون في طوابير طويلة من الحافلات التي ازدحم بها الطريق، وتوقف بعضها عند الحدود في انتظار الإذن بالعبور نحو مصر، وقالوا إن بعض اللاجئين لا يسمح لهم بالعبور بسبب نقص في الأوراق المطلوبة.

ونقل عن الناشطة السودانية أسمرة أدانيس قولها إن رحلة شقيقها الذي فر من الخرطوم نحو مصر استغرقت 53 ساعة منذ لحظة مغادرته محطة للباصات في الخرطوم حتى لحظة وصوله إلى المعبر على الحدود المصرية، حيث أمضى ساعات عديدة أخرى في انتظار العبور نحو مصر.

وقالت أدانيس إن الناس يغادرون منازلهم على عجل من دون أن يتمكنوا من أخذ ما يحتاجونه من ضروريات كالملابس والطعام والماء والدواء ومستلزمات الأطفال الصغار.

وأضافت أن بعض المرضى في الخرطوم لا يستطيعون الحصول على أدوية هم بأمسّ الحاجة إليها، وأن هناك أشخاصا من ذوي الاحتياجات الخاصة يعيشون في وضع مزر بسبب ظروف الحرب.

وأورد تقرير الغارديان إفادات أدلى بها العديد من المدنيين في السودان تسلط الضوء على الوضع الإنساني الصعب في الخرطوم التي خرجت معظم مستشفياتها عن الخدمة ويعاني سكانها نقصا في الغذاء والدواء والماء ويعيشون على وقع أزيز الرصاص والقصف في حرب يصعب التكهن بمآلاتها.

Friday, March 17, 2023

نظرية المؤامرة: حين يصبح الجهل أداة حكم - السودان نموذجًا

ما هي نظرية المؤامرة؟
لماذا تنتشر في المجتمعات قليلة التعليم؟
نظرية المؤامرة كأداة في يد الأنظمة الشمولية
السودان في عهد البشير: المؤامرة كسياسة رسمية
الاستهداف الغربي الدائم
دارفور: إنكار الأزمة عبر المؤامرة
الاحتجاجات كمخطط تخريبي
ما بعد الثورة: تغيّر الوجوه وبقاء الخطاب
الثورة “المخطوفة”
شيطنة لجان المقاومة
الانقلاب كضرورة وطنية
الأثر المدمر على الوعي الجمعي
الخلاصة


 في المجتمعات التي تعاني من ضعف التعليم، وغياب التفكير النقدي، وهشاشة الثقة بين المواطن والدولة، لا تبقى نظرية المؤامرة مجرد فكرة هامشية أو تفسير شعبي للأحداث، بل تتحول إلى منظومة فكرية كاملة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتحدد طريقة فهم الناس للواقع، وتُستخدم – بوعي أو دون وعي – كأداة فعالة للسيطرة السياسية. والسودان يمثل مثالًا صارخًا على هذا التحول.

نظرية المؤامرة تقوم على افتراض أن ما يحدث في الواقع لا تحكمه أسباب اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية واضحة، بل قوى خفية تعمل في الظل: دول كبرى، أجهزة استخبارات، منظمات دولية، أو “عملاء” في الداخل. هذا النمط من التفكير يتميز بعدة خصائص:

  • تبسيط مفرط للواقع المعقد

  • غياب الأدلة القابلة للتحقق

  • تحويل أي نقد أو نقاش إلى “جزء من المؤامرة”

  • تقديم تفسير عاطفي بدل التحليل العقلاني

وفي البيئات الهشة معرفيًا، تصبح هذه النظرية أكثر جاذبية من الواقع نفسه.

الانتشار الواسع لنظرية المؤامرة لا يحدث صدفة، بل نتيجة شروط موضوعية:

  1. ضعف التعليم والتفكير النقدي: حين يُربّى الفرد على التلقين لا على السؤال، يصبح أكثر قابلية لتصديق أي رواية جاهزة.

  2. الأزمات المستمرة: الفقر، الحروب، والانهيارات الاقتصادية تولّد شعورًا بالعجز، ونظرية المؤامرة تمنح “عدوًا” يمكن توجيه الغضب نحوه.

  3. غياب الإعلام المستقل: الفراغ المعلوماتي تملؤه الشائعات والخطابات العاطفية.

  4. انعدام الثقة في الدولة: حين تفشل المؤسسات، يبحث الناس عن تفسيرات بديلة، مهما كانت واهية.

الأنظمة السلطوية لا تحارب نظرية المؤامرة، بل تصنعها وتغذيها، لأنها تحقق لها أهدافًا واضحة:

  • إعفاء السلطة من المساءلة

  • خلق عدو دائم يبرر القمع

  • تشتيت النقاش العام بعيدًا عن الفشل والفساد

  • تبسيط السياسة إلى صراع “نحن ضدهم”

وهنا يصبح الخوف بدل الوعي، والانفعال بدل العقل، هو المحرك الأساسي للرأي العام.

خلال حكم عمر البشير (1989–2019)، تحولت نظرية المؤامرة إلى خطاب شبه رسمي.

تم تقديم السودان على أنه ضحية “مؤامرة أمريكية–صهيونية” بسبب:

  • تطبيق الشريعة

  • استقلال القرار السياسي

  • امتلاك موارد طبيعية

وبهذا الخطاب، جرى تفسير العقوبات والعزلة الدولية، دون أي اعتراف بدور الفساد، وسوء الإدارة، والحروب التي أشعلها النظام نفسه.

عندما تفجّرت مأساة دارفور، لم يعترف النظام بجذورها السياسية والاجتماعية، بل روّج لسردية مفادها أن:

  • التقارير الدولية مفبركة

  • المنظمات الإنسانية أدوات استعمارية

  • المحكمة الجنائية الدولية مؤامرة لتفكيك السودان

الهدف لم يكن إقناع العالم، بل تحصين الداخل ومنع أي تعاطف شعبي مع الضحايا أو مساءلة للسلطة.

في كل موجة احتجاج، خصوصًا في 2013 و2018–2019، جرى تصوير المتظاهرين على أنهم:

  • مندسون

  • عملاء سفارات

  • أدوات لتخريب الدولة

وهكذا تحولت المطالب المعيشية البسيطة إلى “تهديد وجودي”، ما مهّد لتبرير العنف والقمع.

بسقوط البشير، لم يسقط خطاب المؤامرة، بل أعاد إنتاج نفسه في مرحلة الحكم العسكري.

تم الترويج لفكرة أن ثورة ديسمبر:

  • صُنعت في الخارج

  • خُطط لها في غرف استخبارات

  • استُخدم فيها الشباب كأدوات

هذا الخطاب استهدف نزع الشرعية عن الفعل الشعبي، وتقليل قيمة التغيير المدني.

بدل الاعتراف بلجان المقاومة كتنظيم شعبي مستقل، جرى تصويرها كـ:

  • خلايا فوضوية

  • أدوات أجندات خارجية

  • تهديد للأمن القومي

وهي تقنية شمولية كلاسيكية لتحويل أي تنظيم مستقل إلى “عدو داخلي”.

عند كل تدخل عسكري، طُرحت رواية جاهزة:

  • الدولة كانت على وشك الانهيار

  • المدنيون يتصارعون بأوامر خارجية

  • الجيش تدخل لإنقاذ السودان

مرة أخرى، جرى تغييب النقاش حول الحكم الرشيد وبناء المؤسسات، لصالح خطاب أمني مؤامراتي.

الخطورة في السودان لا تكمن فقط في استخدام السلطة لنظرية المؤامرة، بل في:

  • تطبيعها اجتماعيًا

  • تداولها يوميًا دون تمحيص

  • استخدامها من أطراف متنازعة متعددة

ما أدى إلى إنهاك العقل الجمعي، وتعطيل أي حوار عقلاني، واستدامة دائرة الفشل السياسي.

تجربة السودان توضح أن نظرية المؤامرة ليست مجرد سوء فهم للواقع، بل أداة حكم في الأنظمة الشمولية، وملاذًا نفسيًا في المجتمعات قليلة التعليم. كسر هذه الحلقة لا يبدأ بتغيير الحكّام فقط، بل بتغيير طريقة التفكير نفسها: تعليم يعلّم السؤال، إعلام يشرح لا يحرّض، ودولة تعترف بالأخطاء بدل الهروب إلى شماعة المؤامرة.

إن إعادة بناء السودان تبدأ من تحرير العقل قبل إعادة بناء الدولة.

AddThis