Thursday, November 28, 2024

حرب أبريل العبثية وإرهاصات المجاعة

 



يواجه السودان أزمة حادة في الأمن الغذائي، وقد صُنِّف ضمن الدول التي تعاني من مستويات جوع هي من بين الأسوأ عالميًا. وبحسب بيان المتحدثة المساعدة باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فإن أكثر من 24.6 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي. وتظهر حسابات مؤشر استراتيجية التكيف المخفض (rCSI) أن معظم الأسر في مختلف أنحاء البلاد تستخدم اليوم استراتيجيات متعددة للتكيف مع الجوع، في حين تسجل الأسر في ولايتي دارفور والخرطوم أدنى معدلات التكيف بسبب محدودية الموارد المتاحة، والتي لا تكفي في المتوسط لتلبية الاحتياجات الغذائية لأكثر من أسبوع واحد.

إمكانيات زراعية ضخمة ومخزون حيواني واعد تمثل الزراعة والإنتاج الحيواني الركيزة الأساسية للأمن الغذائي في السودان، إذ تتوافر كل مقوماتهما من حيث المساحات الشاسعة، والمياه، والتنوع المناخي، والأراضي الخصبة، بما يعادل نحو ثلث مساحة السودان البالغة 1,886,068 كيلومترًا مربعًا (728,215 ميلًا مربعًا). وتُقدَّر المساحة الصالحة للزراعة بنحو 41.8 مليون فدان، منها حوالي 1.9 مليون هكتار (4.7 مليون فدان) من الأراضي المروية. أما القطاع المطري التقليدي فتبلغ مساحته المزروعة نحو 23 مليون فدان، ويؤدي دورًا كبيرًا في توفير الغذاء، حيث يُنتج محاصيل رئيسية مثل الذرة الرفيعة (11% من إنتاج السودان)، والدخن (90%)، والذرة الصفراء، والسمسم (28%). ويتذبذب الإنتاج في هذا القطاع تبعًا لكمية الأمطار وتوزيعها، ويعمل فيه ما يقارب 55% من القوى العاملة الزراعية.

أما الثروة الحيوانية، فقد قُدّر حجم القطيع القومي عام 2020 بنحو 109,925,000 رأس (31,787,000 من الأبقار، 41,000,000 من الضأن، 32,218,000 من الماعز، و4,920,000 من الإبل). ويتركز نحو 80% من هذا القطيع في القطاع التقليدي المعتمد على المراعي الطبيعية. كذلك يُقدَّر المخزون السمكي بنحو 72 ألف طن سنويًا، موزعة بين النيل وروافده التي يبلغ طولها 6400 كيلومتر بمساحة 2 مليون هكتار، إضافة إلى بحيرات الخزانات والمياه الإقليمية في البحر الأحمر، فضلًا عن الموارد المائية غير النيلية المقدَّرة بـ 2.8 مليار متر مكعب، والتي تمثل جميعها مصادر محتملة لتعزيز إنتاج الأسماك، إلى جانب الاستزراع السمكي.

وفقًا لتقييم بعثة المحاصيل والإمدادات الغذائية (CFSAM)، بلغ إجمالي إنتاج الحبوب في موسم 2021/22 حوالي 5.1 مليون طن متري (منها 700 ألف طن قمح و3.5 مليون طن ذرة رفيعة)، في حين تُقدَّر الحاجة الاستهلاكية بنحو 7.6 مليون طن متري (2.4 مليون طن قمح و5.2 مليون طن ذرة).

تفاقم الأزمة بسبب الحرب لقد أدت الحرب المندلعة منذ منتصف أبريل 2023 إلى تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث لحقت أضرار جسيمة بالقطاعين الزراعي والحيواني، وقدرت الخسائر بحوالي 2.2 مليار دولار. وتشير التقديرات الأولية إلى خروج نحو 3 ملايين فدان عن دائرة الإنتاج، ودخول أكثر من 800 ألف مزارع في دائرة العوز، خاصة بعد وصول الحرب إلى ولاية الجزيرة التي تضم أكبر مشروع زراعي مروي في أفريقيا بمساحة 2.3 مليون فدان. هذا المشروع، الذي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني ومصدر دخل لأكثر من مليون أسرة، تعرض لانهيار شبه كامل نتيجة القتال والفوضى الأمنية، حيث دُمِّرت بنيته التحتية، وأُتلفت قنوات الري، ونُهبت مدخلات الإنتاج. كما شمل الانهيار مشروعات مروية أخرى مثل سنجة والسوكي (120 ألف فدان ويعمل فيهما 12 ألف مزارع)، فضلًا عن تضرر المشاريع المطرية في الدالي، المزموم، الرهد، والفاو، والتي خرجت جميعها تقريبًا من دائرة الإنتاج.

القطاع المطري التقليدي لم يسلم هو الآخر من الخراب، حيث نزح أغلب المزارعين رغم أن نحو 85% من السكان في هذه المناطق يعتمدون عليه. أما في المناطق الآمنة نسبيًا شمالي وشرقي السودان، فقد تقلص حجم تمويل المزارعين بنسبة تقارب 90%، بينما ارتفعت تكاليف الإنتاج بصورة هائلة نتيجة تضاعف أسعار الوقود (بأكثر من 400% في بعض المناطق التي تعتمد على الطلمبات)، إضافة إلى نقص الإمداد الكهربائي للمشروعات المروية وارتفاع أسعار الأسمدة.

كذلك تقلصت مساحة المراعي الطبيعية بنسبة 65%، وتعرضت للتلوث بفعل القذائف والألغام. وقد أدى الصراع إلى تراجع تقديم الخدمات البيطرية بنسبة 64%، خاصة فيما يتعلق بالتطعيم، ومكافحة الأوبئة، وخدمات الإرشاد، وتأهيل المراعي. وقد أدى الصراع إلى تراجع تقديم الخدمات البيطرية بنسبة 64%، خاصة فيما يتعلق بالتطعيم، ومكافحة الأوبئة، وخدمات الإرشاد، وتأهيل المراعي. كما دُمرت البنية التحتية لقطاع الثروة الحيوانية، بما في ذلك المعمل المركزي لإنتاج اللقاحات والأمصال، وتعرضت المستشفيات البيطرية للنهب، وتوقفت العمليات الفنية بسبب غياب الأمن. وانعكس ذلك على انتشار الأمراض الحيوانية الوبائية في مناطق كانت تُعرف تاريخيًا بالإنتاج الوفير.

انهار كذلك قطاع الألبان والدواجن لفقدانه مقومات الإنتاج الأساسية، بينما واجه المربون صعوبات هائلة في تسويق مواشيهم بسبب إغلاق الأسواق، وغياب المشترين، وصعوبة الوصول إلى مناطق الاستهلاك، فضلًا عن تفشي السرقة والنهب في ظل الانهيار الأمني. وإلى جانب ذلك، تخلى كثير من الرعاة والكوادر المدربة عن مهنتهم بانضمامهم إلى صفوف المقاتلين، ومن غير المرجح أن يعودوا مستقبلًا إلى مهنة الرعي. وعلى ضوء هذه التطورات، أصبحت البلاد تواجه أزمة أمن غذائي خانقة، مع مؤشرات واضحة تنذر بالمجاعة.

سبيل النجاة من الكارثة إن معالجة هذه الأزمة تتطلب قبل كل شيء إيقاف الحرب وفتح الممرات الإنسانية لتوصيل المساعدات، إلى جانب تبني استراتيجيات طويلة الأمد وسياسات تشجع على الإنتاج الزراعي والحيواني، وتعزز البحث العلمي والتطوير، وتحسن البنية التحتية وسلاسل التوريد، والاستثمار في التقنيات الرقمية لتحقيق استدامة الأمن الغذائي في المستقبل.

Saturday, June 29, 2024

التعليم احد ضحايا حرب ابريل العبثية و مهددات تقسيم البلاد

 



أطفأت الحرب بهجة “مروان” (6 أعوام) الذي كان يستعد للذهاب إلى المدرسة اعتبارًا من نهاية العام 2023 ضمن تلاميذ الصف الأول بمدرسة خاصة تقع جنوب العاصمة السودانية، وبدلًا عن ذلك وجد نفسه نازحاً في مدينة دنقلا شمال السودان داخل مركز إيواء، اعتقد للوهلة الأولى أنه سيدرس في هذا المكان.

مع إصرار الحكومة السودانية التي تتخذ من مدينة بورتسودان شرق البلاد عاصمة مؤقتة على فتح المدارس في الولايات الآمنة، فإن ملايين الأطفال في المناطق الساخنة لم يعثروا على حل بشأن مصيرهم، ما يعني فعلياً انقسام السودان ما بين مناطق يتوفر فيها التعليم وأخرى لم تنجو من القذائف الصاروخية.

في إقليم كردفان الواقع غربي البلاد، فر 2.5 مليون طفل مع عائلاتهم إلى خارج الإقليم، بعضهم لجأ إلى دول الجوار، وتشكل هذه الإحصائية الصادرة من المجلس القومي للطفولة أكبر حالة نزوح للأطفال على مستوى دول الإقليم.

يركض في فناء مخيم يركض الطفل مروان في فناء مركز الإيواء بمدينة دنقلا الواقعة على بعد 600 كيلومتر شمالي العاصمة السودانية وقت الظهيرة مع درجات حرارة مرتفعة، لا يعبأ لمصيره عما إذا كان سيبقى هنا طويلًا بلا تعليم أم يحالفه الحظ وتتوقف الحرب. بينما تقول والدته مريم (35 عاماً) لـ(سودان تربيون) إن طفلها سألها في أول يوم وصل فيه إلى مخيم الإيواء هرباً من جحيم الحرب في الخرطوم إن كانت هذه هي المدرسة التي سيرتادها، وجاء الرد من خلال دموعها التي أغنته عن الإجابة.

تُقدر منظمة "اليونيسيف" عدد الأطفال الذين ظلوا بلا مدارس خلال الحرب بـ 18 مليون طفل، ومع دخول القتال العام الأول قد تقفز الإحصائية من 19 إلى 21 مليون طفل نتيجة وصول بعض الأعمار إلى سن الدراسة، طبقاً للباحث أحمد المأمون.

يتوارى الأمل لا ترى صفية محمد حسن، وهي مديرة مدرسة حكومية في العاصمة، "أملًا قادمًا في الطريق" لينقذ أطفال السودان من أزمة التعليم. وتحدثت عن "أسباب جوهرية" تعطل المدارس، منها نزوح الأطفال ومغادرة البعض للخارج، والسبب الثاني "البطون الخاوية" التي أصابت غالبية النازحين داخليًا، مما جعل فكرة إرسال طفل للمدرسة نوعاً من الرفاهية.

وتُرجح حسن انخراط جزء كبير من الأطفال (12-18 عاماً) في القتال، إما لجلب المال لعائلاتهم أو بحثاً عن تحدٍ جديد، كونهم لا يدركون مخاطر التجنيد. وتعزو الأزمة إلى مشكلات هيكلية بدأت حكومة حمدوك في معالجتها قبل انقلاب 25 أكتوبر 2021.

حُلم فوق وسادة بلاستيكية في بورتسودان، يقول علي حسن (60 عاماً) النازح من الخرطوم: "أطفالنا لا يذهبون إلى المدرسة هنا". في فناء المدرسة التي تحولت لمخيم إيواء، يضيف: "إذا أردت إرسالهم للمدرسة يجب أن أحصل على وظيفة ومال لسداد إيجار منزل، وهذا مستحيل فنحن لا نتلقى دعماً من أي جهة".

الحل وقف الحرب يعتقد مالك دهب، المسؤول السابق بشمال دارفور، أن السودان لا يمكنه المضي قدماً في التعليم قبل وقف الحرب، مؤكداً أن المبادرات يجب أن تكون شاملة لجميع الأطفال.

أسوأ أزمة تعليمية تؤكد مانديب أوبراين، ممثلة اليونيسيف في السودان، أن البلاد تواجه أسوأ أزمة تعليمية عالمياً، حيث يوجد 18 مليون طفل بلا تعليم. وكشفت عن تحول 14% من المدارس في السودان إلى مراكز إيواء. وأشارت إلى أن اليونيسيف أنشأت ألف مساحة تعليمية آمنة ودعمت منصة رقمية مجانية للوصول للمناهج السودانية.

نقطة سوداء وبصيص أمل يوضح سعيد حجازي، نائب منسق مشروع "الشعب المعلم" بشندي، أن توقف المدارس ضاعف المشكلات النفسية لطلاب الشهادة السودانية، مما دفع الكثيرين لسوق العمل أو الزواج المبكر. وفي الدمازين، نجح مشروع "الشعب المعلم" في افتتاح مراكز تعليمية استوعبت مئات الأطفال النازحين.

الحلول الحكومية انطلق العام الدراسي في ولايات مثل الشمالية والبحر الأحمر ونهر النيل في مايو 2024. في البحر الأحمر، انتظم 136 ألف طالب في المدارس، مع الإبقاء على 60 مدرسة كمراكز إيواء وتوزيع طلابها على مدارس قريبة.

ملامح تقسيم السودان يحذر سامي الباقر، المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، من أن الإجراءات الحكومية لفتح المدارس في مناطق دون أخرى تقود لتقسيم السودان، لأن مصير الأطفال في مناطق النزاع يظل مجهولاً، مطالباً بتوفير أجور المعلمين وتخصيص مواقع بديلة للنازحين المقيمين في المدارس.

بينما يرى مسؤول بوزارة التربية والتعليم أن استئناف التعليم وتأهيل المدارس يحتاج لتمويل يقدر بمليار دولار سنوياً وضمانات بعدم اتساع رقعة الحرب.

Monday, January 22, 2024

الصحافة في أزمنة الحرب..استهداف الصحفيين وقصف الحقيقة

 




ظل طرفي الصراع في السودان، يستهدفان الصحفيين ويمارسان عليهما ضغوط تمنعهم من ممارسة عملهم وتعترض طريقهم، كلما اجتهدوا في الوصول لموقع الحدث لتوثيق الحقيقة ونقل المعلومة من مصادرها وجدوا أنفسهم محاصرين من قبل قوة مدججة بالسلاح، لايهم لمن تتبع فالطرفين سيان في التعامل مع الصحفي فهو العدو الأول مخبر، متعاون، جاسوس ..ألخ من الاتهامات، قل ما يفلت الصحفي من الحصار ويعود سالمًا، بعضهم لقوا حتفهم وبعضهم تعرض لاحتجاز في ظروف احتجاز غير قانونية مع ممارسة التعذيب والقمع.

تتفاقم معاناة الصحفيين السودانيين مع استمرار الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات السريع والتي دخلت شهرها العاشر منذ منتصف أبريل 2023، وأصبح العمل الصحفي أشبه بالمخاطرة، ويعرض الصحفي نفسه للموت ويدفع حياته ثمنًا في سبيل البحث عن المعلومة وتوثيق الحقيقة.

المفارقة أن الطرفين يمنعان الصحفيين من نقل المعلومة للمواطنين، بينما يدعي منسوبيهما منذ بداية الحرب بتوثيق ونقل المعلومة من موقع الحدث، عبر بث مقاطع مرئية حية ومباشرة، لإلحاق الهزيمة بالعدو والاحتفال بالانتصارات، ومع ذلك يمنعون الصحفيين حتى من التأكد من صحة تلك المعلومات.

249 انتهاكًا خلال عام واحد: ورصدت نقابة الصحفيين السودانيين في التقرير السنوي الأول عن أوضاع الحريات الصحفية في السودان، حيث بلغت 249 حالة انتهاك تعرض لها الصحفيات والصحفيون، وذكرت في التقرير المنشور في المواقع أن عدد التقلي 4 ، 23 حادثة تهديد، 17 حالة اطلاق نار، 93 اقتحام ونهب لبيوت الصحفيين، وبلغ عدد حالات الاحتجاز 28 والاعتقال 18، إضافة إلى 25 حالة ضرب ونهب، بينما بلغت حالات الاعتداء على المؤسسات 22 حالة، حالتي اختفاء قسري ومثلهما منع من السفر.

ومازالت الانتهاكات مستمرة باستمرار الحرب ووصلت حد القتل مثل حادثة مقتل الإعلامي بقناة النيل الأزرق أحمد يوسف عربي، لازالت الروايات متضاربة عن إصابته برصاصة طائشة من أفراد من الجيش والبعض يتحدث عن تصفيته. بالإضافة للاعتقال على أساس الهوية من قبل طرفي الصراع واستمرار حالات الاختفاء القسري مثل الصحفي بوكالة السودان للأنباء عبدالرحمن واراب المخفي قسريا وفي حالة احتجاز غير مشروع من أكثر من ستة أشهر.

تقدير موقف: كشفت ورقة عمل أعدها وزير الثقافة والإعلام السابق فيصل محمد صالح، تحصل “راديو دبنقا” على نسخة منها، عن الخسائر التي تعرضت لها جميع وسائل الإعلام بأشكاله المختلفة، المرئي، المسموع، المقروء والالكتروني، وكشفت عن أن أكثر من 80% من وسائل الإعلام السودانية لم تعد تعمل. وتجد نسبة مماثلة من العاملين في وسائل الإعلام أنفسهم عاطلين عن العمل، ما يؤكد تأثر الإعلام السوداني بشكل كبير بالحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023.

أوضاع الصحفيين والإعلاميين: أوردت ورقة فيصل التي تمثل “تقدير موقف” لوضع الصحفيين حاليًا في ظروف الحرب مع مقترحات لحلول ومعالجات شاملة، عدد الصحفيين المسجلين لدى نقابة الصحفيين السودانيين والذين يقترب عددهم من ألفين (2000)، لكنها أكدت أن العدد الفعلي للعاملين في المهنة يفوق ذلك، خاصة في مدن الولايات خارج العاصمة. ويمكن القول أن حوالي 80% من الصحفيين حالياً عاطلون عن العمل ولا يحصلون على أجر شهري. وأشارت إلى معظم المؤسسات الإعلامية توقفت عن عملها ما أدى إلى توقف الرواتب. حتى أن بعض العاملين في بعض الولايات يشكون من عدم استلام رواتبهم. مثل مئات الآلاف من السودانيين، وأكدت أن مئات الصحفيين هاجروا إلى ولايات أخرى في ظروف صعبة للغاية، حيث وجدوا صعوبة في تغطية نفقات الإيجارات الباهظة وغيرها من ضروريات الحياة.

لكن بعض الصحفيين الذين نزحوا إلى ولايات أخرى اضطرتهم ضغوط الحياة وظروف المعيشة القاسية إلى امتهان مهن أخرى، رغم تمسكهم بالمهنة.

احتياجات ملحة: أوصت الورقة على ضرورة دعم وسائل الإعلام القائمة: الدعم المالي والفني والمهني لوسائل لإعلام الموجودة في السودان، بما في ذلك التمويل والمعدات الفنية والتدريب على السلامة أثناء الحرب. ورأت أن يتم التنسيق مع نقابة الصحفيين السودانيين لتقديم الدعم والحماية المباشرة للصحفيين الذين يواجهون التهديدات، وتوفير مساحات آمنة، والدعم المالي، والرعاية الصحية. كما دعت الورقة إلى توفير فرص عمل جديدة للصحفيين السودانيين من خلال السماح بمقترحات إنشاء صحف جديدة ومنصات إلكترونية مع التدريب المهني المناسب.

ونادت التوصيات التي أوردتها ورقة وزير الإعلام السابق والكاتب بصحيفة الشرق الأوسط فيصل محمد صالح، بضرورة تصميم حملة تضامن دولية لتسليط الضوء على ظروف عمل الصحفيين السودانيين خلال الحرب، والتأكيد على التهديدات التي يواجهونها، مثل القتل والقيود على حقهم في العمل. ويجب أن تدعو الحملة إلى حماية الصحفيين في مناطق النزاع والاعتراف بحقهم في العمل الآمن في اتفاقيات تسهيل الحركة والمساعدات الإنسانية بين الأطراف المتحاربة.

فقاعات إعلامية: يعتقد الصحفي الفاتح وديدي أن أول ضحايا الحروب هي الحقيقة وما يحدث الآن قبل أن يكون هنالك قصف بالدانات على المواطنين، المنشآت، المراكز الخدمية أو استهداف المنافع الحربية هو استهداف للحقيقة، أو قصف للحقيقة، ويرى أن الحقيقة واضح أنها المغيب الأول في هذه المعارك.

ويقول الفاتح لـ”راديو دبنقا” إنَّ كل الأطراف المتصارعة من مصلحتها أن لا يكون هنالك صحافة حرة ونزيهة، وتغييبها في مثل هذه الأوضاع يكون مقصود، لأنه كل الفاعلين الحربيين في المشهد يحاولون التغطية على الحقائق، يطفوا سيولة على المشهد لكي يكونوا هم الصوت الوحيد لابراز المعلومات وبذلك، كما يرى، يتأتى لهم سيطرة متوهمة أو متخيلة على المشهد وهذا الأمر يساهم في ازدياد حدة الاستقطاب، لأن المعلومة المتاحة هي من طرف واحد وما من سبيل ليتم التحقق منها ومعرفة الصحيح من الزائف، والمضلل والمفبرك.

ومن وجهة نظر الفاتح كما يقول “نحن أصلًا في عصر ما بعد الحقيقة وفكرته قائمة على أن كل الناس تعيش في حالة استقطاب وكل يغرف مما يليه”، ويضيف” كلنا موجودين في فقاعات إعلامية يقرينا المشهد من وجهة واحدة، وبالتأصيل الديني لا أريكم إلا ما أرى ليس هنالك شئ مبذول إلا من الوجهة التي ينظر بها من يتحكم في الإعلام”.

ويرى أن هذا الأمر يتيح سيطرة متخيلة أو متوهمة على المشهد تتيح انتصار معنوي أو مريح نفسيًا، وهذه هي طبيعة المعارك أو كما يستشهد لنا بمقولة غوبلز الشهيرة “إكذب.. إكذب حتى يصدقك الناس” وجوزيف غوبلز كان بوق إعلام هتلر.

ومواصلة لذات الرأي يصف الصحفي اسماعيل محمد علي مراسل موقع “اندبندنت عربية” في الخرطوم في حديثه لـ”راديو دبنقا”: واقع الصحافة في السودان بأنه مؤلم جدًا وسجلها مخزٍ. أرجع ذلك إلى أن البلاد ظلت في أغلب سنواتها منذ الاستعمار تحت الحكم الديكتاتوري. ويرى أن الآن الأمر أصبح أكثر سوءً في ظل الحرب المشتعلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ 15 إبريل الماضي، لأن الطرفين غير ملمان بقواعد العمل الصحفي باعتباره الكيان المحايد، والذي يتلقى من الجمهور معلومات تتعلق بما يدور من معارك وتطورات في هذا الجانب.

الهوية الصحفية دليل إدانة: وعن تجربته الشخصية أي في رحلته اليومية كصحفي يقوم بواجبه في البحث عن الحقيقة ومحاولاته في الوصول لموقع الحدث، وذلك بسبب التضليل الذي بدأ مع بداية اندلاع الحرب فقد ضاعت الحقيقة وتم إقصاء الصحفيين بعنف وبطش لكي لا يستوثقوا مما يبثه إعلام الطرفين.

يقول إسماعيل: إنَّه ظل موجودًا في الخرطوم لأكثر من شهرين لتغطية الاحداث وهي مؤلمة للغاية، ويشير إلى أنه لم يكن يستطيع اشهار سفي ويتعرض لمعاملة سيئة، وهذا طبعا حدث لعدد من الزملاء والزميلات، خلال تغطيتهم لأخبار الحرب، ويضيف: وفقدنا وأرواح لزملاء معروفين وهم يمارسون عملهم المهني. كان أيضًا من الصعب عليهم كما قلت اشهار الهوية الصحفية، خاصة في التعامل والاتصال بمنظمات الحماية المختصة بحماية الصحفيين، واحدة من الخيارات المهمة فضلًا عن عدم كشف الهوية الصحفية وعدم التحرك المنفرد كحد أدنى، وآخرها يتمثل في التوثيق والكشف أول بأول كل عن أي حالة انتهاك يتم التعرض له الصحفي.

AddThis