Monday, January 22, 2024

الصحافة في أزمنة الحرب..استهداف الصحفيين وقصف الحقيقة

 




ظل طرفي الصراع في السودان، يستهدفان الصحفيين ويمارسان عليهما ضغوط تمنعهم من ممارسة عملهم وتعترض طريقهم، كلما اجتهدوا في الوصول لموقع الحدث لتوثيق الحقيقة ونقل المعلومة من مصادرها وجدوا أنفسهم محاصرين من قبل قوة مدججة بالسلاح، لايهم لمن تتبع فالطرفين سيان في التعامل مع الصحفي فهو العدو الأول مخبر، متعاون، جاسوس ..ألخ من الاتهامات، قل ما يفلت الصحفي من الحصار ويعود سالمًا، بعضهم لقوا حتفهم وبعضهم تعرض لاحتجاز في ظروف احتجاز غير قانونية مع ممارسة التعذيب والقمع.

تتفاقم معاناة الصحفيين السودانيين مع استمرار الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات السريع والتي دخلت شهرها العاشر منذ منتصف أبريل 2023، وأصبح العمل الصحفي أشبه بالمخاطرة، ويعرض الصحفي نفسه للموت ويدفع حياته ثمنًا في سبيل البحث عن المعلومة وتوثيق الحقيقة.

المفارقة أن الطرفين يمنعان الصحفيين من نقل المعلومة للمواطنين، بينما يدعي منسوبيهما منذ بداية الحرب بتوثيق ونقل المعلومة من موقع الحدث، عبر بث مقاطع مرئية حية ومباشرة، لإلحاق الهزيمة بالعدو والاحتفال بالانتصارات، ومع ذلك يمنعون الصحفيين حتى من التأكد من صحة تلك المعلومات.

249 انتهاكًا خلال عام واحد: ورصدت نقابة الصحفيين السودانيين في التقرير السنوي الأول عن أوضاع الحريات الصحفية في السودان، حيث بلغت 249 حالة انتهاك تعرض لها الصحفيات والصحفيون، وذكرت في التقرير المنشور في المواقع أن عدد التقلي 4 ، 23 حادثة تهديد، 17 حالة اطلاق نار، 93 اقتحام ونهب لبيوت الصحفيين، وبلغ عدد حالات الاحتجاز 28 والاعتقال 18، إضافة إلى 25 حالة ضرب ونهب، بينما بلغت حالات الاعتداء على المؤسسات 22 حالة، حالتي اختفاء قسري ومثلهما منع من السفر.

ومازالت الانتهاكات مستمرة باستمرار الحرب ووصلت حد القتل مثل حادثة مقتل الإعلامي بقناة النيل الأزرق أحمد يوسف عربي، لازالت الروايات متضاربة عن إصابته برصاصة طائشة من أفراد من الجيش والبعض يتحدث عن تصفيته. بالإضافة للاعتقال على أساس الهوية من قبل طرفي الصراع واستمرار حالات الاختفاء القسري مثل الصحفي بوكالة السودان للأنباء عبدالرحمن واراب المخفي قسريا وفي حالة احتجاز غير مشروع من أكثر من ستة أشهر.

تقدير موقف: كشفت ورقة عمل أعدها وزير الثقافة والإعلام السابق فيصل محمد صالح، تحصل “راديو دبنقا” على نسخة منها، عن الخسائر التي تعرضت لها جميع وسائل الإعلام بأشكاله المختلفة، المرئي، المسموع، المقروء والالكتروني، وكشفت عن أن أكثر من 80% من وسائل الإعلام السودانية لم تعد تعمل. وتجد نسبة مماثلة من العاملين في وسائل الإعلام أنفسهم عاطلين عن العمل، ما يؤكد تأثر الإعلام السوداني بشكل كبير بالحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023.

أوضاع الصحفيين والإعلاميين: أوردت ورقة فيصل التي تمثل “تقدير موقف” لوضع الصحفيين حاليًا في ظروف الحرب مع مقترحات لحلول ومعالجات شاملة، عدد الصحفيين المسجلين لدى نقابة الصحفيين السودانيين والذين يقترب عددهم من ألفين (2000)، لكنها أكدت أن العدد الفعلي للعاملين في المهنة يفوق ذلك، خاصة في مدن الولايات خارج العاصمة. ويمكن القول أن حوالي 80% من الصحفيين حالياً عاطلون عن العمل ولا يحصلون على أجر شهري. وأشارت إلى معظم المؤسسات الإعلامية توقفت عن عملها ما أدى إلى توقف الرواتب. حتى أن بعض العاملين في بعض الولايات يشكون من عدم استلام رواتبهم. مثل مئات الآلاف من السودانيين، وأكدت أن مئات الصحفيين هاجروا إلى ولايات أخرى في ظروف صعبة للغاية، حيث وجدوا صعوبة في تغطية نفقات الإيجارات الباهظة وغيرها من ضروريات الحياة.

لكن بعض الصحفيين الذين نزحوا إلى ولايات أخرى اضطرتهم ضغوط الحياة وظروف المعيشة القاسية إلى امتهان مهن أخرى، رغم تمسكهم بالمهنة.

احتياجات ملحة: أوصت الورقة على ضرورة دعم وسائل الإعلام القائمة: الدعم المالي والفني والمهني لوسائل لإعلام الموجودة في السودان، بما في ذلك التمويل والمعدات الفنية والتدريب على السلامة أثناء الحرب. ورأت أن يتم التنسيق مع نقابة الصحفيين السودانيين لتقديم الدعم والحماية المباشرة للصحفيين الذين يواجهون التهديدات، وتوفير مساحات آمنة، والدعم المالي، والرعاية الصحية. كما دعت الورقة إلى توفير فرص عمل جديدة للصحفيين السودانيين من خلال السماح بمقترحات إنشاء صحف جديدة ومنصات إلكترونية مع التدريب المهني المناسب.

ونادت التوصيات التي أوردتها ورقة وزير الإعلام السابق والكاتب بصحيفة الشرق الأوسط فيصل محمد صالح، بضرورة تصميم حملة تضامن دولية لتسليط الضوء على ظروف عمل الصحفيين السودانيين خلال الحرب، والتأكيد على التهديدات التي يواجهونها، مثل القتل والقيود على حقهم في العمل. ويجب أن تدعو الحملة إلى حماية الصحفيين في مناطق النزاع والاعتراف بحقهم في العمل الآمن في اتفاقيات تسهيل الحركة والمساعدات الإنسانية بين الأطراف المتحاربة.

فقاعات إعلامية: يعتقد الصحفي الفاتح وديدي أن أول ضحايا الحروب هي الحقيقة وما يحدث الآن قبل أن يكون هنالك قصف بالدانات على المواطنين، المنشآت، المراكز الخدمية أو استهداف المنافع الحربية هو استهداف للحقيقة، أو قصف للحقيقة، ويرى أن الحقيقة واضح أنها المغيب الأول في هذه المعارك.

ويقول الفاتح لـ”راديو دبنقا” إنَّ كل الأطراف المتصارعة من مصلحتها أن لا يكون هنالك صحافة حرة ونزيهة، وتغييبها في مثل هذه الأوضاع يكون مقصود، لأنه كل الفاعلين الحربيين في المشهد يحاولون التغطية على الحقائق، يطفوا سيولة على المشهد لكي يكونوا هم الصوت الوحيد لابراز المعلومات وبذلك، كما يرى، يتأتى لهم سيطرة متوهمة أو متخيلة على المشهد وهذا الأمر يساهم في ازدياد حدة الاستقطاب، لأن المعلومة المتاحة هي من طرف واحد وما من سبيل ليتم التحقق منها ومعرفة الصحيح من الزائف، والمضلل والمفبرك.

ومن وجهة نظر الفاتح كما يقول “نحن أصلًا في عصر ما بعد الحقيقة وفكرته قائمة على أن كل الناس تعيش في حالة استقطاب وكل يغرف مما يليه”، ويضيف” كلنا موجودين في فقاعات إعلامية يقرينا المشهد من وجهة واحدة، وبالتأصيل الديني لا أريكم إلا ما أرى ليس هنالك شئ مبذول إلا من الوجهة التي ينظر بها من يتحكم في الإعلام”.

ويرى أن هذا الأمر يتيح سيطرة متخيلة أو متوهمة على المشهد تتيح انتصار معنوي أو مريح نفسيًا، وهذه هي طبيعة المعارك أو كما يستشهد لنا بمقولة غوبلز الشهيرة “إكذب.. إكذب حتى يصدقك الناس” وجوزيف غوبلز كان بوق إعلام هتلر.

ومواصلة لذات الرأي يصف الصحفي اسماعيل محمد علي مراسل موقع “اندبندنت عربية” في الخرطوم في حديثه لـ”راديو دبنقا”: واقع الصحافة في السودان بأنه مؤلم جدًا وسجلها مخزٍ. أرجع ذلك إلى أن البلاد ظلت في أغلب سنواتها منذ الاستعمار تحت الحكم الديكتاتوري. ويرى أن الآن الأمر أصبح أكثر سوءً في ظل الحرب المشتعلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ 15 إبريل الماضي، لأن الطرفين غير ملمان بقواعد العمل الصحفي باعتباره الكيان المحايد، والذي يتلقى من الجمهور معلومات تتعلق بما يدور من معارك وتطورات في هذا الجانب.

الهوية الصحفية دليل إدانة: وعن تجربته الشخصية أي في رحلته اليومية كصحفي يقوم بواجبه في البحث عن الحقيقة ومحاولاته في الوصول لموقع الحدث، وذلك بسبب التضليل الذي بدأ مع بداية اندلاع الحرب فقد ضاعت الحقيقة وتم إقصاء الصحفيين بعنف وبطش لكي لا يستوثقوا مما يبثه إعلام الطرفين.

يقول إسماعيل: إنَّه ظل موجودًا في الخرطوم لأكثر من شهرين لتغطية الاحداث وهي مؤلمة للغاية، ويشير إلى أنه لم يكن يستطيع اشهار سفي ويتعرض لمعاملة سيئة، وهذا طبعا حدث لعدد من الزملاء والزميلات، خلال تغطيتهم لأخبار الحرب، ويضيف: وفقدنا وأرواح لزملاء معروفين وهم يمارسون عملهم المهني. كان أيضًا من الصعب عليهم كما قلت اشهار الهوية الصحفية، خاصة في التعامل والاتصال بمنظمات الحماية المختصة بحماية الصحفيين، واحدة من الخيارات المهمة فضلًا عن عدم كشف الهوية الصحفية وعدم التحرك المنفرد كحد أدنى، وآخرها يتمثل في التوثيق والكشف أول بأول كل عن أي حالة انتهاك يتم التعرض له الصحفي.

No comments:

Post a Comment

AddThis