Sunday, January 18, 2026

“تدوير البلاغات” آلية قمعية لتمديد الاحتجاز خارج القانون




شابت عملية اعتقال منيب عبد العزيز جملة من الانتهاكات الحقوقية والقانونية الخطيرة، التي تكشف بوضوح عن نمطٍ ممنهج في التعامل مع النشطاء والثوار خارج إطار سيادة القانون، وتحويل إجراءات العدالة إلى أدوات للتضييق والقمع.

فقد تم اعتقاله دون إبراز مذكرة قانونية صادرة من جهة مختصة، في مخالفة صريحة لأبسط الضمانات الإجرائية التي تكفلها القوانين الوطنية، والتي تشترط أن يتم أي تقييد للحرية بناءً على أمر قانوني مسبب وواضح. كما رافق الاعتقال غياب تام للشفافية بشأن الجهة المسؤولة عن الاحتجاز، حيث ظل الأمر ملتبسًا في مراحله الأولى، قبل أن ينتقل الملف لاحقًا من الشرطة إلى الاستخبارات العسكرية، بما يعكس حالة من التخبط القانوني، ويثير تساؤلات جدية حول مشروعية الإجراءات المتبعة.

وعقب الاعتقال، فُتحت في مواجهة منيب بلاغات أولية ذات طابع كيدي، من بينها بلاغات مثل “الإزعاج العام”، وهي تهم وُجهت دون سند واقعي أو قانوني، ما أدى إلى شطبها لاحقًا لعدم قيامها على أساس قانوني سليم. غير أن شطب هذه البلاغات لم يُفضِ إلى الإفراج عنه، كما يقتضي المنطق القانوني، بل جرى تدوير الاتهام وفتح بلاغات أشد خطورة، دون الاستناد إلى وقائع جديدة أو أدلة مستجدة، في ممارسة تُعد من أخطر أشكال التحايل على القانون، ووسيلة واضحة لتمديد الحبس التعسفي.

إلى جانب ذلك، حُرم منيب وأسرته من حقهم في التواصل المنتظم، ومن المعرفة الواضحة بطبيعة التهم الموجهة إليه في المراحل الأولى من الاحتجاز، وهو ما يشكّل انتهاكًا صريحًا لحقوق المحتجزين، ويقوّض حق الدفاع، ويزيد من معاناة الأسرة نفسيًا ومعنويًا، في ظل غياب المعلومات واليقين القانوني.

إن مجمل هذه الوقائع تمثل نموذجًا مكتمل الأركان للاعتقال التعسفي، وتكشف عن استخدام سياسة تدوير البلاغات كأداة لشرعنة الاحتجاز المطوّل خارج إطار القانون، في انتهاك واضح للحقوق الدستورية، وللمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. كما تعكس هذه الممارسات خطرًا حقيقيًا على الحريات العامة، وتؤكد الحاجة الملحّة إلى مساءلة الجهات المسؤولة، ووقف هذا النهج الذي يقوّض العدالة ويصادر حق المواطنين في التعبير السلمي.

Thursday, January 15, 2026

استهداف الصحفيين كسلاح للحرب العبثية




 كشفت نقابة الصحفيين السودانيين عن تدهور غير مسبوق في أوضاع الحريات الصحفية خلال عام 2025، موثِّقةً 67 انتهاكاً مباشراً، شملت مقتل 14 صحفياً وعاملاً في الإعلام، ما رفع إجمالي الانتهاكات منذ اندلاع الحرب إلى 590 حالة. وأكد التقرير أن الاستهداف تحوّل إلى نمط ممنهج ومنظّم يهدد حق المجتمع في المعرفة ويقوّض فرص السلام.

وأبرز التقرير، الذي اطّلع عليه راديو دبنقا، مدينة الفاشر كبؤرة للخطر الأكبر، حيث سُجِّل اختفاء ثلاثة صحفيين بالتزامن مع أحداث أكتوبر الماضي. كما رصدت النقابة حالات إخفاء قسري واعتقالات تعسفية، واستهدافاً مركباً للصحفيات، بالإضافة إلى 8 انتهاكات عابرة للحدود طالت صحفيين في دول اللجوء. وحذّرت النقابة من استخدام القضاء كأداة لإسكات الأصوات المستقلة عبر تهم أمنية وسياسية، مطالبةً المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لحماية الصحفيين والكشف عن مصير المختفين قسرياً.

مقتل 14 صحفياً


رصدت النقابة مقتل أربعة صحفيين في مدينة الفاشر خلال العام الماضي، وهم:
• تاج السر أحمد سليمان، مدير وكالة “سونا” بالفاشر، عُثر عليه مقتولاً بمنزله في نوفمبر 2025.
• النور سليمان النور، مراسل إذاعة السلام بالفاشر، قُتل جراء قصف مدفعي في أكتوبر 2025.
• أحمد محمد صالح سيدنا ومحمد الفاتح عباس، قُتلا جراء القصف على مدينة الفاشر في أبريل 2025.


كما قُتل حسن فضل المولى موسى، مذيع إذاعة غرب كردفان، برصاص قوات الدعم السريع في مايو 2025.
وأشارت النقابة أيضاً إلى أن يحيى حماد فضل الله، وهو كاتب وإعلامي، توفي في يناير 2025 بعد تدهور حالته الصحية، نتيجة تعرضه للتعذيب أثناء اعتقاله من قبل استخبارات الجيش.
كما تمت تصفية عبد الهادي عيسى، رئيس قسم الأخبار بقناة أم درمان، على يد قوات الدعم السريع في فبراير 2025.
وقُتل أربعة من فريق هيئة تلفزيون السودان، وهم: فاروق الزاهر، مجدي عبد الرحمن، إبراهيم مضوي، ووجه جعفر، إثر استهدافهم بمسيّرة انتحارية أثناء تغطية ميدانية في الخرطوم في مارس 2025.
أما الطيب محمد الطيب، كاتب صحفي، فقد قُتل برصاصة في الرأس في منطقة الحاج يوسف في مايو 2025.
وتتحمل قوات الدعم السريع مسؤولية مقتل 12 صحفياً خلال العام الماضي، بينما تتحمل القوات النظامية مقتل صحفي واحد، في حين لم تُنسب مسؤولية مقتل الصحفي الرابع عشر إلى أي جهة.


إخفاء قسري وملاحقات قضائية


وشملت الانتهاكات التي وثقتها النقابة حالات إخفاء قسري بلغت (6) حالات، واعتقالات طويلة الأمد (4) حالات، إضافة إلى الاعتقال والاحتجاز التعسفي المؤقت في (9) حالات. كما رصد التقرير (8) حالات استهدفت صحفيين سودانيين في المنفى، لا سيما في مصر وليبيا.


ورصدت النقابة كذلك أربع ملاحقات قضائية، شملت تحريك بلاغات جنائية بتهم تصل عقوبتها إلى الإعدام (تقويض النظام الدستوري) ضد كل من رشا عوض، صباح محمد الحسن، ماهر أبو الجوخ، وشوقي عبد العظيم.


ووَثَّق التقرير 19 حالة من خطاب الكراهية، تضمنت تهديداً وتشهيراً، استهدفت مراسلي القنوات الإعلامية.


كما رصدت النقابة ثلاثة أنماط من التضييق، شملت سحب التراخيص، وفرض قيود إجرائية، والتدخل في العمل النقابي.


توصيات


وأوصى التقرير أطراف النزاع بالالتزام بحماية الصحفيين بوصفهم مدنيين، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين. كما دعا السلطات المدنية إلى وقف التضييق المؤسسي واحترام استقلالية النقابة.
وطالب المجتمع الدولي والدول المستضيفة بتوفير برامج حماية عاجلة، وضمان سلامة الصحفيين في دول اللجوء.

AddThis