Sunday, August 17, 2014

صعود وسقوط (المشروع الحضاري)





في ذكراها الخامسة والعشرين، ما الذي جنته الحركة الإسلامية بعد أن إختطفت السلطة السياسية بطريقة غير شرعية في 30 من يونيو 1989؟ ففي 2014 يبدو واضحاً أن “المشروع الحضاري” وسرديته الكبرى قد شبعا موتاً، كما أقرّ مسئول حكومي بارز. والنظام يعلم ذلك. فقد تجاهلوا كلية في السنوات القليلة الماضية الذكرى السنوية للثلاثين من يونيو، في إعتراف غير مباشر أن لا سبب للإحتفال.

ذكر قائد الإنقلاب، الذي أصبح رئيساً للبلاد، في بيانه الأول في 30 يونيو 1989 أن أسباب إنقلابه هي الفساد، والفوضى السياسية، وعدم الكفاءة وعدم دعم الجيش في دفاعه عن جنوب السودان. لكن مدبري الإنقلاب كانوا يتحركون في الواقع بتعليمات من الجبهة الإسلامية القومية القوية وقتها، وكان للنظام الذي أقاموه جداول أعمال خفية تثير الإعجاب. إذ سيصبح السودان نموذجاً لأول خلافة إسلامية حديثة، وهي سردية تمثّل نقيضاً بائساً لـ”النظام العالمي الجديد” الذي بسط هيمنته على العالم عقب سقوط سور برلين.
كان المشروع الحضاري للجبهة القومية الإسلامية يوتوبيا شاملة حقيقية تبدأ من الوطن وتنتشر إلى كل مكان في العالم تشكل فيه مجتمعات المسلمين أغلبية عددية، أو أقلية مضطهدة. وسيسعى إلى تمكين الجماعات الإسلامية الراديكالية ذات التوجه المشابه عبر العالم ينظّمها ويعبّئها لتستلم السلطة في بلدانها.

ولكي يحدث هذا، كان على إسلاميي السودان أن يقودوا المسيرة من خلال السيطرة التامة على كافة مقاليد الأمن والسلطة السياسية والاقتصادية في البلاد. فاستلم نائب الرئيس السابق علي عثمان محمد طه، أحد مدبري خطة الإنقلاب، ما سُمّي عن حق “وزارة التخطيط الاجتماعي” التي رمت إلى تحويل أهل السودان إلى ما تصورته لهم الجبهة الإسلامية القومية. وسوف يتم ذلك من خلال حقن جرعات عالية من الأيديولوجية الإسلامية المتطرفة في مناهج المدارس، من رياض الأطفال إلى الجامعات. وقد أثبتت وسائل الإعلام التي تهيمن عليها الدولة، والتدريب الإلزامي لكافة العاملين في القطاع العام فاعلية عالية في تلقين عدد متزايد من السودانيين ايديولوجيا الحركة الاسلامية الجهادية.

كان غسل دماغ الشباب السوداني ناجحاً. فقد أرسل النظام، في أوج قوته في التسعينيات، آلاف المتطوعين الشباب، معظمهم من قطاع طلاب وشباب الجبهة الإسلامية القومية، وآلاف آخرين من طلاب المدارس الثانوية والجامعات ممن جُنّدوا قسراً لشن حملة جهادية، حفّها الإحتفاء الشديد، في جنوب السودان. صوّرت الدعاية الجهادية متمردي الحركة الشعبية/الجيش لتحرير السودان كعملاء أشرار للكنيسة، والامبريالية الأمريكية، والصهيونية، وهي العقبات الرئيسية أمام تحقيق يوتوبيا الدولة الإسلامية الحديثة في السودان.
واليوم يتساءل الأعضاء الُمنشقّون من القطاع الشبابي الجهادي للحركة الاسلامية علناً ما إذا كان عشرون ألفاً من شباب الجبهة الإسلامية القومية “الذين أُستشهدوا” في “مراعي القتل” في جنوب السودان قد أُستخدموا لمجرد تمكين الحلقات الضيقة في سلطة الاسلاميين من الانغماس في المحسوبية، والفساد، والاستبداد.




سقوط المشروع

مع إنحدار المشروع في التحلل الأخلاقي، أصبحت الفظائع الجماعية ونهب الأموال عامة أمراً شائعاً. والحركة الإسلامية التي هندست صعودها إلى السلطة ما هي اليوم إلا شبح لذاتها السالفة. فقد انشقت أربع فصائل على الأقل في السنتين الماضيتين ونصّبت نفسها كمجموعات معارضة بعد محاولات فاشلة لإصلاح الحركة من داخلها.
أصبح الفساد مما تأذن به الدولة. واليوم يصعب التمييز بين الدولة والحزب الحاكم. وقد أُختزلت الحركة الإسلامية، التي قُصد منها السيطرة على كليهما، إلى بيرواقراطية مختلة وظيفياً. عمت الفوضى السياسية البلاد، وامتدت الحرب التي شنت يوماً في جنوب السودان إلى أقاليم أخرى من البلاد. دُوّلت نزاعات السودان الداخلية. وانفصل جنوب السودان. ومن الناحية الإقتصادية تبني النظام أشد سياسات النيوليبرالية قسوة، مما أحال معظم أهل البلاد إلى فقراء. وارتكب النظام، لكي يحافظ على السلطة، إنتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. وقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 2009 و2010 مذكرتي إعتقال ضد البشير تتهمه بارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية اقترفتها القوات المسلحة السودانية والمليشيات المتحالفة معها في دارفور.
أصبح السودان على المستوى الإقليمي مصدراً لعدم الاستقرار لجيرانه. فقد تحالف في البداية مع الراديكاليين المصريين في محاولتهم الفاشلة لاغتيال الرئيس السابق حسني مبارك في 1995. ثم ساند في السنة الماضية متمردي السيليكا للاستيلاء على السلطة في جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة، وهو تدخل لم يجد سوى القليل من الإدانة الدولية.

أقلق الطموح السوداني الامبريالي الصغير للمشروع الحضاري بعض القوي الغربية. ففي أيام أوج المشروع فتح السودان حدوده لطائفة من المجموعات الإرهابية ليصدر آلاف الهويات ووثائق السفر السودانية للمقاتلين العرب السابقين في حرب أفغانستان الأولى. فوجدت المجموعات الإرهابية والأفراد الإرهابيين الذين يعملون لحسابهم مثل أبو نضال وإيليتش راميرز سانشيز (كارلوس)، وبالطبع أسامة بن لادن ملاذاً آمناً في البلاد. وقد صحب بن لادن آلاف من الأفغان العرب الذين شغلوا وظائف في شركاته الإنشائية والزراعية وقتها، لكنهم عملوا في وقت فراغهم على تقويض الحكومات في المنطقة. وقد كان هذا الحضور المثير للاضطراب هو سلف القاعدة، “قاعدة بيانات” للأشخاص ذوي المعتقدات المشتركة، وللموارد والقدرات، مع احتفاظ كل وحدة باستقلالها الوطني، واسهامها، في نفس الوقت، في الهدف المشترك المتمثل في إحياء خلافة العصر الحديث. وهذا يفسر إلى حد كبير لماذا أصبح السودان دولة منبوذة. فقد ضُمّ السودان في 1993 إلى القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب. وفي 1997 فرضت الولايات المتحدة عقوبات إقتصادية وتجارية ومالية شاملة على السودان.
كيف تمكن النظام بالرغم من هذا السجل البائس من الحفاظ على السلطة لخمس وعشرين سنة؟





قمع المنشقين

قام إنقلاب 1989 بحل البرلمان المنتخب على الفور، وحظر الأحزاب السياسية والنقابات، وأغلق الصحف، واعتقل القادة السياسيين. وعلق مجلس قيادة الثورة، الكيان السياسي للنظام الجديد، دستور 1985، ومارس الحكم من ثمّ من خلال المراسيم. وقد أعلن المرسوم الدستوري الثاني حالة الطوارئ في كافة أنحاء البلاد.
تبع هذه الإجراءات الدراكولية قمع منهجي قُصد منه قمع هوية وإنسانية الشعب. وقد هدد البشير في تجمّع جماهيري في 1989: “أقسم هنا أمامكم أن نطهر صفوفنا من الخونة، والمأجورين، وأعداء الشعب والقوات المسلحة … أي شخص يخون هذه الأمة لا يستحق شرف الحياة.”
وإعمالاً لكلمات الرئيس، شن جهاز أمن النظام حملة “أمنية استباقية” شرسة. إذ اعتقل عملاء الأمن آلافاً من من النقابيين، ونشطاء المجتمع المدني والنشطاء السياسيين الذين نجحوا مرتين في تاريخ سودان ما بعد الاستقلال في إسقاط الأنظمة العسكرية من خلال العصيان المدني السلمي. وأُرسل المعتقلون إلى “بيوت الأشباح”، وهي مراكز إعتقال غير رسمية، وتعرضوا للتعذيب ببساطة بسبب ما يمثلونه في نظر النظام. وقد كان مركز النديم، في القاهرة، بين مجموعات حقوق الإنسان الرائدة في توثيق هذه الممارسات. فبين عامي 1993 و2002 عالج المركز 1324 من ضحايا التعذيب السودانيين. ووجد مئات آخرين من الضحايا الاستشارة النفسية والعلاج الطبي في المملكة المتحدة وأماكن أخرى من العالم.
بحلول منتصف التسعينيات كان النظام قد نجح في سحق أي شكل من المقاومة المدنية والمسلحة في الخرطوم. فغادر آلاف من نشطاء المجتمع المدني وساسة المعارضة البلاد، وبدءوا مقاومة المنفى.





التمكين

نهض نجاح النظام في بدايته على سياسة “تمكين” معقدة. وقد إتخذ تحقيق هذه السياسة عدة صور. أحدها كان تعيين أعضاء الجبهة الإسلامية القومية في كافة قطاعات الدولة. ولكي يتمكنوا من ذلك كان عليهم أن يتخلصوا من كل أعدائهم، الحقيقيين أو المتخيلين. وما كان ممكناً تطبيق هذه السياسة ما لم تتم غربلة الخدمة المدنية، والقضاء، والشرطة والجيش.

كان الجيش السوداني المهني حينها يمثل تهديداً للجبهة الإسلامية القومية. فتم فصل 500 ضابط من الجيش بعد شهور قليلة من الإنقلاب. وقد قامت الجبهة الإسلامية القومية في الفترة من 1989 إلى 2000 بتغيير شامل في بنية الجيش في السودان. إذ فصلوا ما يُقدّر بـ 4000 ضابط من مختلف الرتب. وفصل النظام تدريجياً الآلاف من موظفي الخدمة المدنية من مدرسين، وقضاة، ومهندسين، وأطباء، وأساتذة جامعات، وعمال. وطبقاً لبحث موثوق أجراه الصحفي السوداني السر سيد أحمد ونُشر في جريدة الشرق الأوسط في 20 مايو 2001، لم يتجاوز إجمالي عدد موظفي الخدمة المدنية المفصولين خلال 85 عاماً منذ 1904 إلى 1989 رقم الـ 32,419، في حين فصلت الجبهة الإسلامية القومية في عشر سنوات من 1989 إلى 1999 ما يقارب الـ 73,640 من هؤلاء العاملين.

هذا الفصل الواسع من الخدمة غير مسبوق في تاريخ البلاد. وقد عُيّن الموالون بغض النظر عن مهاراتهم، ومؤهلاتهم، وخبراتهم. وحوّلت الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة السودانية التي كانت تقوم إلى حد كبير على أساس الكفاءة إلى كيانات تقوم على المحاباة.

تشكّل التمكين الإقتصادي من خصخصة الشركات المملوكة للدولة باسعار زهيدة وبيعها إلى أعضاء ومناصري الجبهة الإسلامية القومية وأسرهم وأبناء عشائرهم. وقد أجبرت العائلات السودانية العاملة تقليدياً في مجالات الأعمال والشركات المستقلة على السماح لمؤسسات الأعمال التي تهمين عليها الجبهة الإسلامية القومية بالحصول على حصة من القطاعات التي يعملون فيها، أو المخاطرة بإجبارهم على الخروج من السوق إذا قاوموا ذلك. وتظل مؤسسات الأعمال الإسلامية تتمتع بإمتيازات خلقت تشوهات هيكلية كبيرة في إقتصاد السوق: إعفاءات واسعة من ضرائب الأعمال ومن الجمارك والرسوم، وإحتكار التعاقدات مع الدولة التي لم يكن يتم الحصول عليها إلا من خلال المناقصات العامة إلخ. ولكي تتأهل الشركات لهذه الإعفاءات عليها دفع مساهمات مالية كبيرة إلى الدفاع الشعبي وغيره من الكيانات الجهادية التي لا تظهر بياناتها في ميزانية الدولة.
مع تزايد إنفتاح شهية مسئولي الحزب الحاكم وأوليغاركية النظام للبيزنس إلى حد النهم، تغيرت بنية النظام ذاته مع مرور السنين. فقد إنمسخ النظام من حلقة ضيقة لحزب ايديولوجي منظم ومُحكم البناء (الحركة الإسلامية) تسيطر على حزب حاكم ذي قاعدة عريضة يضم الأحزاب والدوائر الأخرى (ما أصبح حزب المؤتمر الوطني اليوم)، وتسيطر من خلاله على الحكومة والدولة، إلى تحالف جائع للمال والسلطة يجمع رجال الأعمال الإسلاميين، والأمن والعشائر القبلية المنحدرة من مواطن أعضاء النخبة الإسلامية الحاكمة.

يفسر إنمساخ النظام كيف أنه أفلح في إهدار ما يُقدّر بـ60 بليون دولار حصل عليها السودان من عائدات النفط بين عامي 1999 و2011. وقد موّل مقادير معتبرة من هذه الأموال العامة حروباً لا يمكن تحقيق نصرٍ فيها، بما في ذلك دفع الأموال لما لا يُعد من المليشيات التي تعمل بالوكالة. كما استخدمت الأموال لإثراء أوليغاركية النظام. وفي ذات الوقت، أُقيمت مشروعات البنية التحتية الكبيرة والسدود والطرق السريعة والجسور، التي اعتبرت إنجازات كبرى، في الغالب في الولايات النيلية الشمالية الأقل من ناحية الكثافة السكانية والإنتاجية. وواضح أن هذا التوجّه بُني على أساس حسابات البقاء السياسي أكثر منه على الجدوى الإقتصادية. وقد اقترض النظام بكثافة من الصين وحلفائه الآخرين لتمويل إنهماكه في التشييد خلال السنوات الأخيرة، وهو أمر مشكوك في عائداته الإقتصادية.





جنوب السودان وإتفاقية السلام

الجبهة الإسلامية القومية عدّت الحركة الشعبية لتحرير السوادن دائماً حركة إنفصالية وعنصرية استهدفت الثقافة العربية والإسلامية. فقد نُظر للحركة الشعبية بوصفها وكيلاً للغرب وإسرائيل وطرفا في مؤامرة ضد الإسلام والعرب – وهي رسالة رُوّج لها باستمرار من خلال وسائل الإعلام الجماهيرية للنظام. كان جنوب السودان بالنسبة للمتشددين الاسلاميين وأولئك الأكثر تشبثاً بفكرة الدولة الإسلامية النموذجية، عقبة وعائقا تجب الهيمنة عليه بالقوة في أحسن الأحوال أو فصله لمصلحة إقامة الحكم الإسلامي. عندما أخفقت الموجات المتكررة من الحملات الجهادية في هزيمة الجيش الشعبي، وأصبحت الحرب حرباً لا يمكن لأي من الطرفين الفوز فيها، قبل الإسلاميون بانفصال جنوب السودان كثمن لاستمرار مشروعهم الحضاري في الشمال. وما تبقى تاريخ فقد مهّد هذا المسار في نهاية المطاف الطريق للحكم الذاتي في الجنوب في عام 2005 ثم الاستقلال عام في 2011.

كانت عوامل أخرى فاعلة. إذ تقر الممثلة الخاصة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة في جنوب السودان هيلدا جونسون في كتابها، “إندلاع السلام في السودان”، أن العوامل الرئيسية في إنهاء الحرب في جنوب السودان كانت هي الضغوط الدولية المثيرة للجدل، وأحداث 11 سبتمبر 2001 التي أتاحت للخرطوم “دافعاً قوياً لكي يُنظر لها باعتبارها متعاونة”. كذلك قدمت اتفاقية السلام الشامل (2005) الفرصة للمؤتمر الوطني لاكتساب شرعية جديدة وتعزيز سلطته لفترة امتدت حتى وقتنا الحاضر.

كان يمكن لاتفاقية السلام الشامل أن تتيح للسودان التخلص من صورته كدولة منبوذة، ولكن هذا لم يكن ليحدث. فحينما كان النظام يفاوض لينهي أكبر الحروب الأهلية في أفريقيا، قام باتخاذ إجراءات قاسية ضد تمرد صغير وغير استراتيجي اندلع في دارفور في 2003. كانت تكلفة استجابة الحكومة التي لم تتناسب مع حجم التمرد هي حياة 300,000 شخص من أهل دارفور حسب تقديرات الأمم المتحدة وإرسال أكثر من مليوني نازح إلى المعسكرات حيث ما يزالون يعيشون حتى يومنا هذا. وقد ساهمت الحملة في توسّع صفوف المتمردين بالآلاف. وقد عادت جرائم النظام في دارفور على البشير ومسئولين آخرين بالاتهامات و مذكرات الاعتقال من المحكمة الجنائية الدولية، وأبقت السودان في وضعه الراههن لا يتزحزح كدولة منبوذة.

في أعقاب الانفصال فاقم فقدان 75٪ من عائدات البلاد النفطية من الصعوبات الاقتصادية. كذلك، اشتعلت الصراعات التي نجحت اتفاقية السلام الشامل في تخفيف حدتها مرة أخرى. ففي مايو 2011 جرّت التوترات في منطقة أبيي المتنازع عليها دولة جنوب السودان المستقلة حديثاً الى حافة النزاع الحدودي مع السودان. كذلك أعادت المهام العالقة من إتفاقية السلام الشامل إشعال الحرب في جنوب كردفان في يونيو حزيران 2011، ومن ثم في النيل الأزرق في سبتمبر 2011. واليوم، ترزح سبعة من ولايات السودان الثمانية عشر تحت قوانين الطوارئ وما لا يُوصف من مشاهد الحروب المميتة.

في الجانب الاقتصادي، بلغ الدين الخارجي للسودان في يونيو 2014، 43.8 بليون دولار مقابل 12.9 بليون دولار في 1989. فقد ارتفع الدين الخارجي بنسبة 240 في المائة في السنوات الخمس والعشرين الماضية. وأُعلن السودان بلداً غير مؤهل لاستخدام موارد صندوق النقد الدولي؛ وفي 1993، علّق صندوق النقد الدولي حقوق السودان في التصويت. في 1989 كان سعر الصرف الرسمي للجنيه السوداني4.4 للدولار الواحد. وفي 2014، بلغ سعر الصرف الرسمي 5,700 جنيه سوداني (بالجنيه القديم) أو 5,7 (بالجنيه الجديد) للدولار الواحد. وقد أجبر انقلاب 1989 العديد من المانحين، خاصة في الغرب، على تعليق مساعداتهم الرسمية للسودان. وفي الوقت نفسه، ربما كان برنامج التحرير الإقتصادي السوداني في التسعينيات هو الوحيد في العالم الذي طبق الجزء الأصعب من وصفات صندوق النقد الدولي وفقا للمراقبين الاقتصاديين. وقد أدى هذا التطبيق إلى مستويات عالية من اللا مساواة في البلاد. وصنّف السودان في أحدث تقارير التنمية البشرية في المرتبة171 من جملة187 بلداً، مقارنة بعام 2008، عندما كان في المرتبة147. في الواقع، أنفق السودان أقل من 2 في المائة من ناتجه المحلي الإجمالي على الصحة والتعليم، ويُعتبر هذا أدنى إنفاق في أفريقيا جنوب الصحراء. وقد انخفض مجمل الناتج القومي الإجمالي إلى ناقص 10 في المائة في عام 2012، في أعقاب انفصال جنوب السودان.


نموذج البقاء

يعتمد بقاء النظام بشكل كبير على “أمننة السياسة” حسب تعبير الكاتب السوداني حيدر إبراهيم، التي تُحوّل أي مسألة سياسية إلى شأن أمني. فالأجهزة الأمنية في السودان تتبنى دائماً نظريات المؤامرة لتفسير أي حركة، ونقاش واحتجاج بوصفه شكلاً من أشكال التدخل الأجنبي. وتميل العقلية الأمنية إلى تجاهل أية دوافع سياسية أو شخصية أو إنسانية. فهم يسيئون تفسير الأسباب، مما يقود إلى تشخيص خاطئ يتبعه، على الدوام، علاج يعتمد على القمع والحظر.

تموّل الفروع الأمنية المختلفة بسخاء ويحميها القانون من أي ملاحقة. ومن الناحية السياسية فقد مدّ حزب المؤتمر الوطني بنجاح شبكة ضخمة من التحالفات، كانت ستثير غيرة القوى الاستعمارية القديمة. رسّخ الحزب علاقاته مع أفراد طبقة رجال الأعمال القديمة والجديدة، وبعض الطرق الصوفية وزعماء القبائل. كذلك توسع نظام الاستتباع ليشمل عددا من الأحزاب السياسية التي انضمت إلى الحكومة في مراحل مختلفة. واستبدل النظام منظمات الطلاب، والعمال، والنقابات، والمنظمات المهنية، ومنظمات الشباب بأولئك الذين تعهدوا بالولاء الثابت للحركة الاسلامية والنظام.

في الوقت نفسه، أحزاب المعارضة الرئيسية ضعيفة، وزاد النظام من ضعفها بالقمع والاستيعاب. ومجموعات الشباب مبعثرة ومختلفة، وتفتقر إلى حد ما للحنكة السياسية. والمجتمعات المدنية المستقلة في وضع هش وتحت رحمة بيروقراطية الدولة، والأمن والمانحين. ويظل السودانيون في الشتات فاعلين ومتفاعلين مع الأحداث السياسية في بلدهم من خلال الاحتجاجات لكنهم لا يشكلون تهديداً مباشراً لبقاء النظام.

تظل الجماعات المسلحة المنتمية للجبهة الثورية السودانية محصورة في مناطق محدودة جداً من جنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق ودارفور. إمكانية أن تهاجم الجبهة الثورية السودانية مركز السلطة في الخرطوم واردة، لكنها ستكون مهمة انتحارية. وقد نجحت الجبهة الثورية في صد هجمات النظام في موسم الجفاف التي تزداد شراستها.

لكن ما يزال عليهم الخروج ببرنامج سياسي متماسك ومقنع من شأنه أن يكون مقبولاً لسكان وسط السودان الشمالي الذين صوّر لهم عقدان من دعاية النظام المتمردين كبرابرة أباعد. وبدون خطاب سياسي فعّال وممارسات حكم مسئولة تعضد هذا الخطاب، ليس أمام مقاتلي الجبهة الثورية سوى فرصة ضئيلة لكسب الدعم لقضيتهم بين سكان وسط السودان. والنتيجة النهائية هي الاستقطاب المتنامي وانفصام العروة بين السكان المتأثرين بالحرب ما يعني المزيد من تمزق البلاد.


ملاحظات ختامية

قال أحد قادة الشباب من حركة التغيير الآن للمجموعة السودانية للديمقراطية أولاً “شهدت السنوات الخمس والعشرين الماضية الفصول الاكثر دموية في تاريخ السودان”. وفي الواقع تحول وعد المدينة الفاضلة الإسلامية إلى واقع إسلامي مرير. إذ آلت معظم وعود انقلاب 1989 في مجالات الاقتصاد، والحكم والسلام ومحاربة الفساد إلى عكسها. ومنذ 1989، لم يتسامح النظام على الإطلاق مع أي مظاهرات سلمية مناهضة للنظام، وهذا واقع موثّق بشكل جيّد. واستجابة النظام الوحيدة لحركات التمرد المُستعٍرة في المناطق المهمشة هي الرد العسكري السافر والوحشي بنيّة سحق مجتمعات بأكملها حتى الخضوع الجماعي. والنتيجة المتوقعة هي مزيد من التشرذم حيث تكبر الأجيال الجديدة تحت سحابة القصف الجوي والهجمات البرية المميتة. كذلك لجأ النظام في المراكز الحضرية في الوسط، التي هي أقرب إلى الخرطوم، إلى القوة المجردة رداً على الاحتجاجات السلمية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 200 متظاهر في سبتمبر عام 2013، معظمهم دون العشرين.

مع ارتفاع مد الاحتجاجات الجهيرة والهادئة، حاول النظام في 2014 إعادة اختراع نفسه من خلال عمليات الحوار الوطني. لكن الخوف من التغيير حوّل الدعوة إلى الحوار الوطني إلى شعار فارغ أكثر كونه عملية سياسية حقيقية وصادقة تهدف الى اخراج البلاد من المستنقع الذي جرها إليه الاسلاميون. وقد أداروا ظهورهم بما لا لبس فيه لكل الوعود النبيلة من سلام ورفع للقيود المفروضة على الحريات الأساسية مما أُعلن في يناير وأبريل 2014.

العادات القديمة لا تموت بسهولة، فالنظام يحافظ على تحكّمه في حرية التعبير، وتكوين الجمعيات. وهذا يشمل مصادرة أرقام قياسية من الصحف بسبب أي إشارة انتقاد. وفي أحدث هجوم على المجتمع المدني أُغلق مركز سالمة لمصادر ودراسات المرأة في 24 يونيو وهو واحد من آخر المجموعات النسوية المستقلة. وعلى الرغم من الوعود بإطلاق سراح كافة “المعتقلين السياسيين”، تستمر الاعتقالات التعسفية كما لاحظت منظمة هيومن رايتس ووتش. وفي حين يواصل النظام قصفه العشوائي في جنوب كردفان والنيل الأزرق، وصف تقرير حديث لمنظمة العفو الدولية القصف المكثف بجرائم حرب.

وفي خاتمة المطاف فالدليل الصارخ على الإخفاق الكلي للمشروع الحضاري هو فقدان النظام لشرعيته الأخلاقية والدينية في نظر بعض المنشقين عن الحركة الإسلامية ممن كانوا بين مهندسي المشروع القدامي ووهبوه حياتهم. وعلى الرغم من إضمحلال هذا المشروع، ما تزال الدعاية له مستمرة حتى يومنا هذا في مناهج التعليم العام في السودان وفي وسائل الإعلام الحكومية، بالتعليمات البيروقراطية وقوة الدفع الذاتي. وقد توصلت الجماعات السلفية والجماعات الإسلامية المتطرفة التي يتسامح معها النظام في حين يقدم، للمفارقة، التقارير عن أنشطتها إلى وكالات الاستخبارات عبر أنحاء العالم. فالنظام الذي يستمر في ترويع مجتمعات بأكملها في بلده عمل بجد ليكسب صفة الحليف الموثوق به في الحرب ضد الإرهاب الدولي، وما هذا إلا سلاح آخر في كنانته.




التقرير من اعداد المجموعة السودانية للديموقراطية اولا  

و دمتم سالمين 

Sunday, July 13, 2014

دارفور 2014: آن الأوان لإعادة صياغة الخطاب




في الثلاثين من يونيو الجاري مرت الذكرى الخامسة والعشرين على الانقلاب الذي أتى بعمر البشير "نظام الإنقاذ" إلى السلطة. وعوضاً عن إنقاذ دارفور التي رزحت تحت عقود من الإهمال والتهميش على يد الحكومات التي سبقت البشير في السلطة، فإن سجل النظام هناك يمتلئ بقتل السكان وتدمير وتخريب ممتلكاتهم. وحاليا تشهد دارفور في غضون العام 2014 تجدد أعمال عنف مماثلة لتلك التي حدثت في السنين الأولى للصراع مسفرة عن تشريد أكثر من 300000 فرد منذ يناير لينضموا إلى ما يفوق المليونين ممن أجبروا على اتخاذ المخيمات مأوى لهم منذ العام 2003. ومن الأسباب الجذرية للصراعات التي تمزق دارفور الآن السياسات الحكومية المحلية التي يتم تطبيقها بصرامة بواسطة النخبة الأسلاموية الحاكمة للتفريق بين مجتمعات الإقليم من أجل إحكام السيطرة على موارده الغنية. وقد أسفرت هذه السياسات بعد خمسة وعشرين عاماً عن تحقيق تحويل دارفور على أرض الواقع إلى ولايات ومحافظات ومحليات على أساس إثني وكذلك إلى وحدات زعامات قبلية. وتسود في معظم هذه الوحدات قبائل معينة يشغل زعماؤها التقليديين مناصب قيادية في الوحدات الإدارية وفي ذات الوقت يتولون قيادة المليشيات القبلية التي غالباً ما تكون مسلحة ومدربة من قبل الحكومة.

ويبدو أن نسخة السودان من الفدرالية حسبما تم تطبيقها في دارفور تهدف في المقام الأول إلى خدمة أغراض التعبئة السياسية والسيطرة الأمنية بينما لم تفلح رفاهية المواطن في احتلال موقع لها في قائمة أولويات النظام. والنتيجة التراكمية لهذه السياسة هي إقليم ينهار فيه الحكم كمفهموم مدني ويصبح القانون والنظام من ذكريات الماضي التليد ويغدو النسيج الاجتماعي في حالة يرثى لها.

في أواخر أبريل الماضي عقدت المجموعة السودانية للديمقراطية أولا جلسة إستشارية لخبراء دارفور لمناقشة وتحليل الديناميات الجديدة للصراع في دارفور وتأثيراتها على السكان المحليين وبقية السودان والإقليم على نطاق أوسع. وقد ركز المشاركون - وهم مجموعة مختارة من الباحثين والناشطين السودانيين والعالميين - على دارفور كما أنهم درسوا تأثير الديناميات المتحولة على جهود السلام الراهنة على المستويات المحلية والوطنية والعالمية. انبثق من هذا المنظور المتعمق خطاب حول الوضع في دارفور اليوم يتميز بجلاء عن المفهوم السائد لهذا الوضع. فللصراع في دارفور حالياً أبعاد وطبقات متعددة. ولاينبغي اختزال أي تعليل له على أنه صراع حول الموارد بين ما يسمى القبائل العربية والإفريقية. ويجب إعادة تحليل المحركات والديناميات الإقليمية والوطنية والمحلية وتفاعلاتها وبنفس القدر التأثيرات الإنسانية للصراع وتبعاتها على التركيبات الديموغرافية والاجتماعية والسياسية. وعلاوة على ذلك فإن دوافع وقدرات ومكونات العناصر المسلحة بحاجة إلى دراسة. ويعني عدم إدراك هذا الواقع المعقد والسياق المتغير والإقرار بهما أن السياسات المتبعة للاستجابة لهما، بما في ذلك اليوناميد ووثيقة الدوحة والحوار الوطني الذي
تضطلع به الحكومة، كلها لا تكفي لمعالجة المحركات السياسية الوطنية والاجتماعية والاقتصادية المحلية وتبعات الأزمة.



المحركات الأساسية: دينامياتها وتبعاتها في 2014

لايمكن فهم الأزمة باستخدام النهج الثنائي القديم على أن الصراع هو على الموارد (الأرض و الماشية والمحاصيل النقدية وثروتي الذهب والنفط المكتشفتين مؤخراً) بين القبائل (العربية وغير العربية). وباستثناء الصراع حول السيطرة على مناطق تعدين الذهب في شمال دارفور والذي شهد تدخل السلطات الولائية، فإن للأزمة دوافع سياسية مع تسييس مفهوم القبيلة على نحو كبير.

وبصورة عامة، فإن الصراع هو عملية هندسة اجتماعية بالقوة لتغيير التركيبة السكانية المحلية وبالتالي توزيع القوة السياسية داخل الإقليم، على الأخص من خلال استهداف وتهميش المجموعات غير العربية. والسيطرة على الأراضي مهم هنا لأن هذه هي الوسيلة التي من خلالها يتم تحقيق التمثيل السياسي والمناصب، والقوة السياسية هي الوسيلة التي من خلالها يتم الوصول إلى الثروة والموارد والخدمات. والقرار الذي تم اتخاذه بمنح الوالي صلاحية تعيين سلطان دارمساليت، وهي عملية محكومة بالممارسات التقليدية للمجموعة، لهي مثال على هذه السياسة بعيدة المدى. وعلى ذلك تبقى جذور الأزمة هي التهميش السياسي للهامش من السلطات والموارد الولائية.

وقد تم إضفاء الطابع المؤسسي عبر السنين على عملية استخدام الدولة للمليشيات التي يغلب عليها الطابع العربي للتأكيد على السيطرة على الإقليم ومحاربة المجموعات المتمردة، وأحدث تجسيد لذلك قوات الدعم السريع. وقد قوض استخدام المليشيات التي هي في الأساس تحت إمرة جهاز الأمن الوطني والمخابرات الوطني من سلطات القوات المسلحة السودانية والسلطات المحلية في آن معاً في دارفور. وقد خلقت تعبئة المليشيات دينامياتها الخاصة بحيث أنه إن لم يتم دفع رواتبها ومكافأتها بالتمكين السياسي، فإنها تصبج خارج سيطرة الحكومة، ومثال ذلك موسى هلال. وفي الواقع انعكس الصراع على السلطة بين الرئيس عمر البشير ونافع على نافع المستشار السابق للرئيس وعلى عثمان محمد طه النائب الأول السابق للرئيس على المواجهات بين هذه المجموعات داخل دارفور بينما أضافت الصراعات الداخلية على السلطة بين هذه المجموعات، صراع موسى هلال ووالي شمال دارفور عثمان كبر على سبيل المثال، بعداً جديداً للصراع. فهذه الديناميات، علاوة على الضغط الاقتصادي المتزايد على نظام الرعاية الذي تتبعه الحكومة باتت تحول المليشيات إلى عناصر عسكرية وسياسية أكثر استقلالية.

وقد كانت أعمال العنف وتهجير السكان على نطاق واسع في العام 2003 مدفوعا في المقام الأول بصراعات بين المجموعات العربية والمليشيات متعلقة في الغالب بتنافس محلي على أراضي أخلتها مجموعات أخرى في بداية النزاع. وقد كان النزاع والتشريد في النصف الأول من 2014 مزيجاً من استهداف المليشيات التي ترعاها الحكومة لمدنيين ترى أنهم موالين لمجموعة مني مناوي المتمردة ومواجهات بين هذه القوى ومليشيات أخرى موالية في السابق للحكومة. وكذلك فقد كان العنف في 2014 مدفوعاً بعودة مليشيات من مسرح العمليات في كردفان.
لقد تم احداث تغيير جذري في التركيبة السكانية والنسيج الاجتماعي على مدى السنين العشر الماضية من الصراع. فعلاوة على التشرذم والاستقطاب القبليين تم احتلال العديد من الأراضي التي أخلاها السكان الذين نزحوا داخلياً بواسطة مجموعات جديدة مما خلق مفهوماً جديداً لملكية الأراضي. فالوحدات الإدارية الجديدة القائمة على أساسي قبلي وإنشاء مناصب سياسية جديدة وتعيين مناصب أهلية كانت في السابق تقليدية كلها ديناميات اجتماعية وسياسية متغيرة بين وداخل المجتمعات. واصبح على المجموعات النازحة داخلياً ايجاد فرص جديدة لكسب العيش مساهمة بذلك في المزيد من التضخم الحضري. ويساهم الصراع والنزوح الداخلي طويل الأمد والتمييز ضدهم وإهمالهم من قبل الحكومة في تغيير هوية المجتمعات النازحة داخلياً واللاجئة مما يقوض معنى الهوية السودانية.


عمليات السلام الجارية غير المجدية

يستمر الكثير من المراقبين في التشكيك كثيراً في جدوى وأداء اليوناميد. حيث لم تظهر الاحداث مؤخراً أن اليوناميد غير قادرة على الوفاء بولايتها في حماية المدنيين وتوفيرالحماية للجهات الفاعلة الإنسانية فحسب، بل إنها أصبحت متواطئة في تقويض ذات الأهداف. فعلى الرغم من محاولاتها المبدئية لإشراك المجموعات المسلحة غير الموقعة فإن فعالية المبعوث المشترك الخاص محمد بن شمباس لتسهيل حل للنزاع قد تم الحد منها على نحو خطير بولايته وموقف الحكومة. وعلاوة على ذلك فإن أفعال وأداء اليوناميد يقوضان من سلطة بن شمباس.

وبالمثل، فقد تم اعتبار وثيقة الدوحة للسلام في دارفور أداة غير فعالة وتأتي في الواقع بنائج عكسية تماماً وإن تنفيذها لا يكاد يذكر. ولم تحقق الترتيبات الأمنية سوى القليل من التقدم وذلك بسبب التضخم في عدد قوات حركة العدل والمساواة وعدم رغبة الحكومة في نزع سلاح المليشيات التي لا تزال تستخدمها ضد المتمردين في جنوب كردفان ودارفور. ولم تحقق المفوضيات التي تديرها سلطة دارفور الإقليمية بما في ذلك مفوضية الأراضي والعودة، التي تم إنشاءها بموجب وثيقة الدوحة، أي تقدم وقد شلت خطط التنمية بعدم قدرة الحكومة وعدم رغبتها في توفير تمويله لها. فالسلطة الإقليمية ضعيفة ولاتعترف بها معظم الجهات الفاعلة، بما في ذلك معظم الولاة في دارفور ولا يبدو أن الحكومة ستحترم الاستفتاء على الوضع الإداري للإقليم. فضعف وثيقة الدوحة لايعود بالضرورة إلى الوثيقة في حد ذاتها بل إلى الضعف الداخلي للسلطة الإقليمية وحركة التحرير والعدالة نفسها وعدم التزام الحكومة والفشل في ضم المجموعات المسلحة الرئيسية. وقد اصبح إصرار الحكومة والجهات الفاعلة الدولية على أن وثيقة الدوحة هي الآلية الوحيدة لحل الأزمة حجر عثرة كبير في طريق معالجة الأزمة في دارفور وفي طريق جهود بناء السلام الأخرى (التفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال، على سبيل المثال).

يقف الخطاب حول ما يسمى "الحوار الوطني" الذي يضطلع به ويرعاه حزب المؤتمر الوطني في تناقض صارخ مع العنف والواقع في دارفور. يبين العنف المستمر في دارفور عدم التزام الحكومة بعملية حوار وطني شاملة وقابلة للمراجعة والمحاسبة تقود إلى تغيير سياسي ذو مغزى، ويبين كذلك انعدام البيئة التي يمكن أن تحدث فيها مثل هذه العملية.

تعكس مشاركة الأحزاب السياسية في العملية عدم ارتباطهم بالمجتمعات الأكثر تضرراً بالنزاع وبعدهم عنها. وأكثر الأحزاب الخاسرة من عدم الحساسية الوطنية لمعاناة سكان دارفور هو حزب الأمة القومي الذي يستمد معظم دعمه تاريخياً من دعم قواعده في دارفور. ولربما يساعد شجب واستنكار زعيم حزب الأمة العلني للسلوك الإجرامي لقوات الدعم السريع، واحتجازه التحفظي المطول نتيجة لذلك في أن يستعيد الحزب بعضا من الدعم الكبير الذي فقده في الإقليم.



آن أوان تغيير المسار

لكي يتوقف التدهور المريع للاوضاع في لدارفور، فإن على صناع السياسات على المستوى الوطني والإقليمي والدولي أن يتبنوا ً استراتيجية مختلفة تماماً عن التي ظلوا يتبعونها دون تبصر حتى الآن. وبينما يصعب تصور تغيير نظام الإنقاذ لسلوكه، فإنه بحاجة إلى تغيير السياسات المدمرة التي يمارسها وإلا فإن عليه توقع تفكك المزيد من السودان الذي ورثه.

على الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي علاوة على "أصدقاء السودان" إدراك أن صنع السلام المحلي له ذات الأهمية التي لأي تسوية سياسية. وذلك يتطب منهم دعم المجتمع المدني المحلي المستقل من أجل تعزيز الأصوات الرافضة للعنف في القضايا المتصلة بتحول الصراع على الصعيدين الوطني والمحلي ودعم القادة التقليديين المحليين الأقرب لمجتمعاتهم، باستحداث لقاءات قيادات تقليدية محلية سنوياً عوضأ عن تعزيز هياكل قيادية قبلية مسيسة جديدة، وإعادة إحياء تفهم واحترام الأدارة التقليدية للأراضي وآليات حل النزاعات.
أما على المستوى الوطني، فإن حل شاملاً لصراعات السودان يظل أمراً لازماً. بما في ذلك التحرك في اتجاه منبر تفاوض واحد يربط وقف الأعمال العدائية في كل أنحاء السودان بحوار وطني حقيقي وشامل وقابل للمراجعة والمحاسبة يدرك ويعترف بأن أي عملية حوار وطنية حقيقية شاملة ومشتملة لا يمكن أن تحدث من غير مشاركة كل الجهات الفاعلة المفصلية، بما في ذلك الجبهة الثورية السودانية، ومجتمع دارفور المدني والجمهور، وكذلك لايمكن لمثل هذه العملية أن تتم بدون وقف الأعمال العدائية ومعايير أخرى مثل حرية الصحافة.

وأما على المستوى الدولي، فإنه يجب على الجهات الفاعلة الدولية مراجعة ولاية وأهداف وثيقة الدوحة والمبعوث المشترك الخاص من خلق مزيد من التنسيق في المحادثات المسهلة بواسطة لجنة الاتحاد الإفريقي رفيعة المستوى للتنفيذ بين حزب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال للتحرك تجاه منبر مفاوضات شامل وتطوير خطة طريق عامة مشتركة من أجل نهج شامل لكل نزاعات السودان بواسطة المبعوث المشترك الخاص ولجنة الإتحاد الإفريقي رفيعة المستوى ومبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى جنوب السودان، وكذلك إجراء مراجعة شاملة لولاية وتكوين وموظفي اليوناميد لضمان قدرتها على القيام بمهمتها بفعالية.



التقرير من اعداد المجموعة السودانية للديموقراطية اولا  

و دمتم سالمين 

Thursday, June 19, 2014

مأزق الحريات الدينية في #السودان





في 15 مايو حكمت محكمة في الخرطوم على مريم يحيى إبراهيم إسحق البالغة من العمر 27 عاماً بالإعدام بتهمة الردة بسبب إفتراض إرتكابها جريمة التحول إلى المسيحية. وقد صدرت العقوبة بعد أن رفضت السيدة مريم يحيى – التي كانت وقتها حاملاً ثم وضعت جنينها في السجن – التراجع عن عقيدتها. والمحزن أن قضية مريم تعبر عن نمط من الإنتهاكات للحريات الدينية الأساسية في السودان، الذي أقرّ عقوبة اعدام بسبب الردة في 1991. وهذا هو الحال في ثلاثة بلدان أفريقية أخرى فحسب هي نيجيريا (في بعض الولايات الشمالية)، وموريتانيا والصومال.
إن عدم التسامح الديني في السودان هو الجمع بين متناقضين ، حيث يظل البلد، حتى بعد أن خسر جنوب السودان، أحد أكثر البلدان تنوعاً في أفريقيا. فالسودان يحتضن أقليات مقدرة ذات ثقافات ولغات متمايزة؛ وكذلك أقليات دينية، بما في ذلك مسيحيين من مختف الطوائف، وأتباع ديانات أفريقية تقليدية. لكن الحكومة تعاملت مع الإسلام بوصفه الدين الرسمي للدولة منذ 1989 عقب الإنقلاب الذي قاده الرئيس عمر البشير ورعاه الإسلاميون، حيث قامت بأسلمة قوانين ومؤسسات وسياسات البلاد تدريجياً. ومن حينها ذاق الآلاف من غير المسلمين التمييز على يد الدولة. وقد وثقت مجموعات حقوق الإنسان العديد من حالات التمييز الذي تم برعاية الدولة، بما في ذلك تدمير أو مصادرة الكنائس. كما أجبر الآلاف من غير المسلمين على إعتناق الإسلام، واضطّهد القساوسة والكنائس، وعوقب الآلاف من المسيحيين طبقاً لقانون الشريعة.

و دمتم سالمين

Wednesday, May 21, 2014

Freedom of Information Act - حرية تداول المعلومات





في الأسابيع الأخيرة تم كشف النقاب عن عدة قضايا فساد مالي في قطاعات مختلفة من الدولة
كقضية التزير و الاختلاس و استغلال النفوذ من قبل والي الخرطوم و طاقم مكتبه و تكسب مساعد وزير العدل من صلاحيات منصبه السابق كمدير لمصلحة الاراضي و ما قضايا شركة الأقطان و سودانير ببعيد , اضافة لأتهام مدير جهاز الامن و المخابرات السابق للجهاز بتبديد الاموال بعد ان شيد الجهاز مباني بقيمة 2,5 مليار دولار و هو ضعف عجز الموازنة العامة للدولة "و الرقم على عهدة قوش طبعا"

و لطالما ارتبط الفساد في عقليتنا بالفساد المالي على وجه الخصوص ربما لتضرر المواطن المباشر بسبب هذا النوع من الفساد, لكن للفساد وجوه كثيرة تتفق كلها في القبح و في جعل حياة المواطن تعيسة و بائسة.
و لها السبب بعد الخوض في غمار المحتوى الرئيسي لهذا المقال سنحاول تطبيقه على قضية فساد سياسي و قضائي شهيرة.


كبداية لنٌعرف و نٌوضح ما هو قانون حرية الوصول للمعلومات و ماذا سيستفيد المواطن من وجود هكذا قانون

قانون حرية الوصول للمعلومات يعطي الحق للمواطنين في الوصول إلى المعلومات و السجلات التابعة لأي مؤسسة حكومية, لكن هذا الحق في الوصول لهذه المعلومات يكون منظما و تحت اشراف جهات و لجان مستقلة عن الدولة هي المسئولة عن تمكين المواطن من الوصول للمعلومات التي يريدها 

تم اقتراح تشريع هذا القانون لأول مرة في عام 1982 بواسطة عدة دول اروبية بالاضافة لكندا و الولايات المتحدة, لكن كندا كانت الرائدة في تطبيق هذا القانون مباشرة في العام 1983
يمكن الاطلاع على نص القانون الكندي هنا

كما تنص المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية على أن حرية الحصول على المعلومات تعد حقا من حقوق الانسان و تسميها "اوكسجين الديموقراطية"

للإستزادة في الموضوع اقرأ هنا بالعربية او هنا بالأنجليزية

لا نريد الخوض في تاريخ القانون كثيرا و دعنا نرى كيف يعمل هذا القانون و كيف يمكن ان يستفيد منه المواطن

بالنسبة لأي مواطن فان الحكومة تقوم بتسييرأعمال الدولة بشكل سري غامض و من رواء جُدر و لا يرى المواطن إلا القرار او المنتج النهائي الذي تريد الحكومة ان تطلعه عليه. لكن ماذا يحدث فعليا خلف هذه الجدران و كيف يتم طبخ هذه القرارات و الاجراءات فلا احد يعلم كيف يتم ذلك و لكن من الواضح ان المكونات المستخدمة في الطبخ منتهية الصلاحية بدليل قضايا الفساد التي يتم كشفها كل فترة و هي غيض من فيض مما يحدث فعليا وراء ذلك الجدار طالما كانت السرية هي غطاء لاي عمل او تحرك حكومي.



بوجود قانون حرية الوصول للمعلومات سيعرف اي موظف حكومي من كبار المسئولين الى صغار العاملين ان هناك حوالي 30 مليون شخص (عدد مواطني السودان تقريبا) موجود ليراقب عملهم و يقيم ادائهم.
يستطيع المواطن بوجود هذا القانون التوجه للجان المستقلة المسئولة عن تطبيق القانون ليستفسر عن اي معلومة حكومة كاجراءات عطاء انشاء طريق معين او مكافاءات و حوافز مدير شركة حكومية, نتائج لجنة المعاينات و التوظيف في وزارة ما و اكثر من ذلك كثير لكن له تحت الاجراءات التنظيمية التي تقرها و تحددها اللجنة المستقلة و غير الحكومية المسئولة عن ذلك. كما ان محاولة اخفاء او تزوير اي معلومة اقرت هذه الجان وجوب تمكين المواطن منها يعد جريمة جنائية.

اول ما قد يتبادر لذهن المواطن سيكون بعض العبارات المطاطة و الفضفاضة التي تستخدمها الانظمة الفاسدة و القمعية لتغطية عوراتها مثل الامن القومي و السلم الاجتماعي و الاستقرار الوطني و غيرها. تصنيف المعلومات حسب سريتها و خطورة نشرها و اطلاع الجمهور عليها هو ايضا مسئولية ذات اللجنان و الهيئات المستقلة المنظة لوصول المواطن للمعلومة

لكن لكي لا تستخدم الحكومة هذه العبارات الفضفاضة لاعاقة وصول المواطن لمعلومة محددة دعنا نضرب مثلا صغيرة بمشروع لم تحم حوله شبهات فسادة كبيرة و تم تنفيذه في زمنه المحدد , كمشروع انشاء كبري المك نمر بالعاصمة. دعنا نتسال قليلا ماذا سيضر الامن القومي لو عرف المواطنون ان الحكومة رصدت ميزانية مقدارها س لهذا المشروع ؟ و ما هو التهديد على استقرار الوطن الذي سيشكله معرفة المواطنين لعدد شركات المقاولات التي تقدمت بعروض لتنفيذ المشروع و سبب فوز الشركة ص بالعطاء في نهاية الامر ؟ و هل شعور المواطن بالأمان سيتزعزع لمجرد متابعتهم لاتزام الشركة المنفذة بتسليم المشروع في وفق جدوله الزمني المحدد و بالجودة المتفق عليها في العقد الموقع مع الحكومة ؟

نحن هنا لا نتحدث عن صفقات اسلحة مع العلم ان صفقات هذه في بعض الدول تتم تحت اعين المواطنين و برلماناتهم. و لا نتحدث عن محاضر اجتماعات قيادات القوات المسلحة و لكن نتحدث عن مراقبة سير دولاب عمل الدولة و اسلوبها في ادارة موارد الوطن و المواطن.

اليس من حقك كمواطن ان تعرف كم مسئول حكومي بتقاضي راتبا مختلفا عن سلم و هيكل رواتب مسئولي الدولة مثل ذلك الراتب الملياري الذي كان يتقاضاه مدير سوق الخرطوم للأوراق المالية

اليس من حقك ان تعرف اذا كانت عطاءات المشاريع الإنشائية تعطي لمن يستحقها بالشكل الذي يضمن تقديم جودة عالية للمواطن بسعر يحفظ موارده و امواله ام ان العلاقات و العمولات هي التي تحدد من يرسى عليه العطاء

اليس من حقك ان تحمي حياة اخوانك المواطنين و تقليل عدد الحوادث المتكررة على الطرق السفرية باطلاعك على مشاريع و تقارير صيانة الطرق و الجسور و كذلك كيفة تعامل الحكومة مع شركات النقل و المركبات المسافرة في مسألة اتباع قوانين السلامة المرورية

اليس من حقك ان تتبنى الحكومة مشروع هكذا قانون اذا كان لديها اي جدية في حديثها عن محاربة الفساد و الشفافية المطلقة في ادارة شئون الدولة

الم يصرح برلمانيون و مسئولون ان نسب الفساد في السودان ضئيلة لا تكاد ترى بالعين المجردة !!! اذا لماذا الخوف من سن هكذا قانون اذا كانت محاربة الفساد هي سياسة دولة

بتطبيق مثل هذا القانون في اوغندا الجارة قام مواطن بكشف عن فساد ادى الى اهدار 80% من ميزانية كانت مخصصة لانشاء و اعادة تأهيل 8500 مدرسة

في المكسيك كشف محاسب في مصلحة حكومية عن اهدار و اختلاس تراكمي لمبلغ 30 مليون دولار في الجهة التي يعمل بها

و في الهند و بواسطة هذا القانون اكتشفت اسرة بسيطة عن عملية سرقة و تلاعب في توزيع وجبات مجانية للاسر المحتاجة و الفقيرة

الثلاث دول اعلاه ليست من دول العالم الاول و فيها من الفساد ما فيها, و لكن جدية حكوماتها في محاربة الفساد جعلتها تطبق و تقر هذا القانون لتجد عونا و مساعدة من المواطنين في عملية محاربة الفساد

في فبراير الماضي اتجهت الحكومة اللبنانية لمنح الصحفيين و العاملين في المجال الأعلامي الحق في الوصول للمعلومات الحكومية.

و في فلسطين و خلال مايو الحالي تقدم مدير هيئة مكافحة الفساد رفيق النتشة بمشروع قرار حرية الوصول للمعلومة للحكومة في الضفة الغربية. يحدث هذا في بلد ما زال يقبع تحت وطئة الاحتلال و يقاتل من اجل الحصول باعتراف دولي لكيانه و دولته  

في عام 1990 كان لدى 13 دولة فقط قوانين تنص على ذلك الحق المجتمعي في الوصول الى المعلومة واليوم هناك أكثر من 95 بلداً (يزيد سكانها عن 5 مليارات شخص) لديها قوانين تعطي حقاً عاماً في الوصول إلى المعلومات التي تحتفظ بها الهيئات العامة. كما تبنت الهيئات الدولية كذلك مثل البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية سياسات تنص على الكشف عن المعلومات.

كانت و مازالت القرارات المصيرية تتم داخل الغرف المغلقة، وما زالت سياسات إقصاء وتضليل الوعي العام أحد أبرز أدوات النظام المستبد و هذا الامرلم يعد مقبولا أو مسموحا به في إطار بناء دولة القانون والمؤسسات، و ليتم ذلك لابد من ضمان وحماية حرية الوصول للمعلومات لأهمية هذا القانون على أكثر من مستوى، فهو من ناحية مهم في حد ذاته حيث أنه يوفر بيئة تمكينية عامة لجميع الحقوق الأخرى من خلال تعزيز مبدأ الإتاحة، فإتاحة المعلومات ضمانة أساسية لتمكين المواطن والمجتمع من مراقبة أوضاع الحقوق الأخرى وأهم إشكاليات تأديتها على الوجه الأكمل ومن ثم محاسبة ومسائلة السياسات و واضعيها و القائمين عليها في حال تأثيرها سلبا على تلك الحقوق، ومن ناحية ثانية فإن تعزيز مبدأ حرية تداول المعلومات أحد أهم مبادئ ومعايير خلق مجتمع منفتح وديمقراطي يتمتع فيه المواطن بكافة أنواع المشاركة السياسية والمدنية والتي لا تقتصر وفقط على حق الانتخاب وإنما حق النقد والتفنيد للسياسات بشكل مستمر والتعبير عن رأيه فيها

الحكومات التي تعمل في ظل السرية في الأغلب هي غير كفء لإدارة وتحمل مسئوليتها في حماية الحقوق والحريات لمواطنيها، لأن حرية تدفق المعلومات وسهولة الوصول إليها هي الركيزة الأساسية لتحديد المشاكل والمخاطر وطرح الحلول المناسبة

البلد هي ملك للمواطنين و ليست تركة خاصة لعشرات الاشخاص في الحكومة ليستنفعوا و يقضوا وطرهم منها

فمن حقك ايه المواطن معرفة كيف تدار بلدك بالنيابة عنك و كيف يتم تمكينك من خيرات ارضك و موارده و كيف تعمل الحكومة في سبيل راحتك و كرامتك و انسانيتك

اختم التدوينة بمطالبة لتطبيق هذا القانون تحديدا او مبدأ الشفافية عموما على قضية فساد سياسي و قضائي استمرت لعدة اعوام الا هو هي قضية د. الحاج ادم يوسف الذي تقلد مناصب حكومية عدة اخرها نائب لرئيس الجمهورية و كان سابقا واليا على جنوب دارفور و الشمالية و وزيرا للزراعة و حاليا هو أمين القطاع السياسي و عضو المكتب القيادي او التنفيذي لحزب المؤتمر الوطني بالاضافة لعمله في هيئة تدريس قسم الهندسة الزراعية بجامعة الخرطوم.

لكي لا اطيل الدكتور آدم كان شغل مناصب دستورية عدة حتى عام 1999 عندما حصل المفاصلة الشهيرة فسلك الحاج ادم (مع حفظ لقب دكتور) سلك الحاج مسلك الترابي و سار في ركبه و معيته. في العام 2004 تم اتهام حزب المؤتمر الشعبي بالقيام بمحاولة انقلابية و ادخال و تخزين كمية كبيرة من السلاح داخل العاصمة , و لمن يتذكر كانت هناك حملات تفتيش داخل المنازل في بعض الاحياء على الاسلحة.

تم القبض على الترابي و اغلاق مقار حزبه  و هرب الحاج ادم و قيل انه سافر الى المانيا. ما يهمنا و تشاهدونه في الصورة المرفقة اخر التدوينة انه في النصف الاخير من عام 2004 قام وكيل النائب العام بتوجيه بلاغات للحاج ادم تحت 11 مادة من ثلاث قوانين مختلفة و اعلن عنها في وسائل الاعلام الرسمية و طالب المتهم بتسليم نفسه.

بلاغات تودي الى نفي صاحبها الى ما وراء الشمس لكن و بعد 6 سنوات وجدنا الحاج ادم داخل القصر الجمهوري نائبا لرئيس الجمهورية !!! كيف يتحول من هدد امني و استقراري كمواطن و قوض النظام الدستوري و عمل على ضرب وحدة المجتمع و زعزع امنه القومي (بحسب البلاغات المقدمة ضده و بحسب تصريحات عبد الرحيم محمد حسين وزير الداخلية في وقتها) كيف يمكن ان يتحول هكذا شخص بين عشية و ضحاها الى قائد يحكمني و يدير شئوني و شئون بلدي !

السؤال هنا للنائب العام و نيابة الجرائم الموجة ضد الدولة و الى المحكمة المختصة في نظر هذا الجرائم
هل تمت محاكمة الحاج ادم و ظهرت برائته !!! و اذا كان ذلك فلماذا حصل هذا في السر و ليس العلن
اام هل تم ادانة الحاج ادم و محاكمته و من ثم بعد ان ادى محكوميتة كان ذلك الحكم لا يؤثرعلى تقلده منصب دستوريا
(اعتبرني عندي قنبور و ان ال11 بلاغ الفوق ديل محكميتهم كانت خلال 6 سنوات فقط او اقل)

هذه القضية اراها من اكبر قضايا الفساد لانها توضح التزاوج الغير شرعي بين السلطة الحاكمة و السلطة القضائية التي يجب ان تكون سلطة مستقلة يلجأ لها المواطن لتنصفه و تقيم العدل في بلده و لكنها الان تفسد و تشرع للحكام ما يشاء ليستبد و يتجبر و يتفرعن بلا رقيب او حسيب


فلنطالب بحقنا و حريتنا في الوصول و الحصول على معلومات الاجهزة التنفيذية  

و دمتم سالمين


Friday, May 2, 2014

قراءة في تقرير هيومن رايتس وتش عن إنتهاكات حقوق الأنسان خلال إحتجاجات سبتمبر





أثناء الأسبوع الأخير من سبتمبر/أيلول ٢٠١٣ اندلعت موجة من الاحتجاجات الشعبية في ود مدني، والخرطوم، وأمدرمان وبلدات أخرى في شتى أنحاء السودان، بعد أن أعلن الرئيس عمر البشير عن إيقاف دعم الوقود وبدء إجراءات تقشف أخرى. ردت قوات
 الأمن الحكومية على الاحتجاجات باستخدام القوة، بما في ذلك القوة المميتة، على ھيئة الذخيرة الحية. تناقلت التقارير مقتل أكثر من ١٧٠ شخصاً بينھم أطفال، أثناء تعامل الحكومة مع الاحتجاجات، مع إصابة المئات غيرھم واعتقالھم واحتجازھم، والبعضلأسابيع وشھور، دون اتھامات أو إتاحة مقابلتھم لمحامين أو إتاحة الزيارات العائلية. ولقد تعرضالمحتجزين، لا سيما من ينحدرون من دارفور، للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة.
وبعد أكثر من ستة أشھر، لم تفتح الحكومة السودانية التحقيق بعد مع المسؤولين عن أعمال القتل وغير ذلك من الانتھاكات ذات الصلة، أو ھي حاسبتھم. تشير البحوث التي أجرتھا ھيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى إلى أن الحكومة اتخذت إجراءات، عن عمد، لقمع وإسكات التغطية المستقلة للأحداث، ولمنع أھالي الضحايا من اللجوء للعدالة. تستمر الحكومة في احتجاز نشطاء على صلة بالاحتجاجات في مواقع مجھولة، وما زالت العديد من أسر المحتجزين لا تعرف أماكن أقاربھم المحتجزين أو أي شيء عن أحوالھم.
ولقد كان رد الحكومة السودانية على الأدلة المشيرة إلى مسؤولية قوات الأمن عن أعمال القتل غير القانوني والاحتجاز التعسفي والتعذيب وغيره من الانتھاكات ذات الصلة ھو الإنكار أو التقليل من التقديرات حجم العنف وانتھاكات حقوق الإنسان. ورغم أن السلطات قد وعدت بالتحقيق في المزاعم، فلم تظھر أدلة علنية على أي تقدم أحرز حتى الآن في التحقيق مع المسؤولين عن أعمال القتل والانتھاكات الأخرى.
ولقد تعرض أھالي الضحايا الذين سعوا لفتح الشرطة أو النيابة قضايا في مقتل أقاربھم، إلى عقبات، منھا رفض التحقيق في قضايا فردية، وكذا رفض الإمداد بوثائق مھمة مثل تقارير الطب الشرعي، ومنعھم من التماس العدالة من خلال القضاء. في الوقت نفسه يستمر السودان في استخدام القوة المفرطة، بما في ذلك الذخيرة الحية، في قمع الاحتجاجات السلمية، ما أدى إلى سقوط المزيد من القتلى في الاحتجاجات بالعاصمة خلال عام ٢٠١٤
ھذا التقرير الذي يستند إلى بحوث أجريت بين سبتمبر/أيلول وديسمبر/كانون الأول ٢٠١٣ داخل السودان، وبناء على
مقابلات عن طريق البريد الإلكتروني والھاتف، يوثّق بعض أكثر الانتھاكات جسامة التي وقعت أثناء احتجاجات سبتمبر/أيلول. يدعو التقرير الحكومة السودانية إلى إجراء التحقيقات الموعودة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتھاكات، وإنھاء استخدام القوة المفرطة والقوة المميتة ضد المتظاھرين فوراً، واحترام وتيسير الحق في التظاھر السلمي والاحتجاج. ويتعين على الأطراف الدولية المعنية بالسودان أن تكسر صمتھا وتضغط من أجل اتخاذ تدابير سريعة.
التوصيات
 إلى الحكومة السودانية
استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين
• يجب ألا تسمح سلطات إنفاذ القانون وأجھزة الأمن في السودان للقوات باستخدام الذخيرة الحية ضد المتظاھرين العزل. يجب على جميع ھذه الأجھزة إصدار أوامر واضحة لا لبس فيھا لقواتھا بأن أي استخدام للقوة يجب ألا يكون عنه بديلاً وأن يكون متناسباً مع التھديد الحقيقي والقائم، وأن استخدام القوة المفرطة سيعاقب عليه. يجب ألا يتم اللجوء للقوة المميتة إلا من قبل وحدات متخصصة، لديھا تدريب ملائم، عندما لا يكون ھناك بديل عن استخدام ھذه القوة من أجل إنقاذ الأرواح.
• يجب على وزارة العدل أن تتمم وتعلن نتائج تحقيقاتھا في وقائع القتل والإصابة التي شھدھا شھرا سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٣ أثناء الاحتجاجات التي اجتاحت شتى أنحاء السودان. يجب أن توفر التحقيقات معلومات كاملة عن جميع وقائع القتل والإصابات، وظروف كل حادث أدى إلى الموت أو الإصابة، والأدلة التي تشير لأي مدى تورطت قوات حكومية في انتھاكات لحقوق الإنسان، والأدلة الموثوقة على مسؤولية أي طرف ثالث عن الانتھاكات.
• يتعين على وزارة الداخلية ضمان استجابة قوات الأمن للتحقيقات والتعاون معھا. يجب على الجھات المختصة إلغاء الحصانة القانونية المستحقة لأي قوات أمن مشاركة في إطلاق النار على المدنيين.
الاحتجاز التعسفي
• يجب على جھاز الأمن والمخابرات الوطني أن يفرج فوراً عن أي أفراد ما زالوا محتجزين على صلة بالاحتجاجات لم يمثلوا أمام جھات قضائية، ولم يُتھموا بجرائم، ولم يخضعوا للمحاكمة الناجزة أمام الجھة القضائية المعنية بموجب المعايير الدولية للمحاكمة العادلة.
• يجب على جھاز الأمن والمخابرات الوطني أن ينشر أسماء جميع المحتجزين، ويحدد أماكن احتجازھم، ويضمن قدرة أقاربھم والمحامين والمراقبين المستقلين على زيارة المحتجزين.
• يجب على المجلس الوطني أن يصلح قانون الأمن الوطني لعام ٢٠١٠ بحيث يصبح متسقاً مع القانون الدولي، لا سيما ضمان مثول جميع المحتجزين على وجه السرعة أمام مسؤول قضائي ليتھمھم أو لمواھة المحاكمة العادلة خلال فترة معقولة، وإلا الإفراج عنھم. مع ضمان قدرتھم على ممارسة حقھم في الطعن على قانونية احتجازھم بشكل حقيقي وفعال.
المعاملة رهن الاحتجاز
• يجب ضمان استيفاء ظروف الاحتجاز لقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، بما في ذلك أماكن احتجاز الأحداث، والتصريح بزيارة المحامين وتيسيرھا، وكذا العاملين بالمجال الطبي والأقارب.
• يجب التحقيق في جميع مزاعم المعاملة السيئة والتعذيب والموت رھن الاحتجاز، واتخاذ خطوات فورية لمقاضاة و/أو تأديب أي مسؤولين بجھاز الأمن والمخابرات الوطني والشرطة وأي مسؤولين آخرين قد يتحملوا مسؤولية الانتھاكات.
• يجب إدانة ممارسة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة رھن الاحتجاز علناً وبكل وضوح. يجب اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية ومنھا التوجيھات للشرطة والقوات المسلحة والعاملين بالأمن، من أجل وقف المعاملة السيئة للمحتجزين، وتوضيح أنه لا يوجد على الإطلاق أي مبرر للمعاملة السيئة، بما في ذلك لأجل انتزاع الاعترافات، أو على سبيل الانتقام من الدعم المزعوم لجماعات متمردة، أو للعقاب.
• يجب التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لمناھضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المھينة وبروتوكولھا الاختياري، الذي يسمح للخبراء المستقلين الدوليين بإجراء زيارات منتظمة لأماكن الحجز.
حرية التعبير
• يجب الكف فوراً عن أية رقابة للصحف وغيرھا من المنافذ الإعلامية، بشكل يخرق ضمانات حرية التعبير.
• يجب اتخاذ جميع التدابير ومنھا إصدار أوامر عامة لأجھزة الأمن، من أجل إنھاء التحرش بالصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وضمان تعرضالمسؤولين عن ھذه الأعمال لإجراءات تأديبية أو ملاحقات جنائية.
إلى الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء
• يجب على جميع الحكومات المعنية الضغط على السودان من أجل الوقف الفوري لاستخدام القوة المميتة بإفراط ضد المتظاھرين وما يرتبط بذلك من انتھاكات لحقوق الإنسان، ولأجل محاسبة المسؤولين عن أعمال القتل والانتھاكات الأخرى على صلة باحتجاجات سبتمبر/أيلول.
• يجب على اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب التصريح لبعثة تقصي الحقائق التابعة لھا بالنظر في مزاعم انتھاكات حقوق الإنسان الجسيمة والاستمرار في استخدام القوة المميتة ضد المتظاھرين، ومطالبة السودان رسمياً بالكشف علناً عن تحقيقاته في انتھاكات سبتمبر/أيلول.
• يجب على الخبير المستقل المعني بوضع حقوق الإنسان في السودان بمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن يتناول أعمال القتل والإصابة التي وقعت في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الثاني ٢٠١٣ في شتى أنحاء السودان، وأن يطالب الحكومة السودانية بالرد، بما في ذلك الكشف عن تحقيقاتھا وأية خطوات للمتابعة من
شأنھا توفير العدالة للضحايا.
• يجب على مكتب المفوضالسامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة أن يضغط من أجل إنشاء مكتب للمفوضية السامية في السودان، وذلك لمراقبة وضع حقوق الإنسان في السودان، لا سيما على ضوء الاستخدام الجاري للقوة المفرطة ضد المتظاھرين وأعمال الاحتجاز غير القانوني.
منهج التقرير
يستند التقرير إلى بحوث داخل السودان ومقابلات بالھاتف والبريد الإلكتروني، أجرتھا باحثة أولى في ھيومن رايتس ووتش بقسم أفريقيا، وثلاثة استشاريين للبحوث. أغلب البحوث أجريت في الفترة من سبتمبر/أيلول إلى ديسمبر/كانون الأول ٢٠١٣ . قابل الباحثون أكثر من ٣٠ شخصاً، منھم أقارب للضحايا وشھود عيان على وقائع القتل ومحتجزين سابقين ومحامين ونشطاء اجتماعيين. أجريت المقابلات باللغتين العربية والإنجليزية على انفراد أو باستخدام وسائل اتصال آمنة.
كذلك راجعت ھيومن رايتس ووتش جملة من المصادر الثانوية، منھا مقاطع فيديو وتصريحات للشھود جمعتھا منظمات سودانية، وبعضھا نُشر على يوتيوب ومنصات التواصل الاجتماعي على الإنترنت الأخرى. قام الباحثون بالتأكد من صحة كل ھذه التقارير من خلال المقابلات وأدلة أخرى.
الكثير ممن أجريت معھم المقابلات – خوفاً من المضايقات والاعتقال وأشكال الانتقام الأخرى – طلبوا عدم ذكر أسمائھم، ومن ثم، فلم نذكر العديد من الأسماء.
………….
القتل غير القانوني في الخرطوم
• في ٢٥ سبتمبر/أيلول تم إطلاق النار على ھزاع عز الدين جعفر – ١٨ عام اً – ليسقط قتيلاً، أثناء مظاھرات قرب بيته في بحري، شمال الخرطوم. قالت أمه ل ھيومن رايتس ووتش إنه أصيب بعيار ناري في الرأس حوالي الثالثة عصراً على يد قوات أمن ترتدي زياً بنياً وكانوا يستقلون سيارة بيضاء. ھناك طالب شارك في الاحتجاجات مع ھزاع قال للباحثين إنه رأى عدة عربات لاندكروزر تقل قوات أمن يرتدون ثياباً مموھة، يقتربون من المتظاھرين:
• [العربات] الأولى أطقت رصاصاً مطاطياً وغاز مسيل للدموع علينا، والعربتان الأخيرتان أطلقتا الذخيرة الحية. كنت أقف على أحد جانبي الشارع عندما سمعت الرصاص. سقطت على الأرض… وبعد أن توقف نظرت لأرى ھزاع يرقد على الأرض بلا حراك. زحفت إليه وقلبته لأجده غارقاً في الدماء. كان ينزف من جرح رصاصة في رأسه. كان قد مات بالفعل.
• قالت أم ھزاع في بيان تم نشره على يوتيوب، إن العائلة والأصدقاء وجدوا جثمانه وحملوه وابتعدوا به وسط طلقات الرصاص المستمرة. قالت: “حملنا الجثمان وكنا ما زلنا في ألم على وفاته، وكانوا مستمرون في إطلاق النار حولنا والغاز المسيل للدموع”.
• طبقاً للشھود، ففي المساء نفسه، تجمع الأقارب والأصدقاء في جنازة ھزاع بحي شمبات، وكان بابكر النور حمد – ٢٠ عاماً – وھو صديق لھزاع، قد اصيب بأعيرة نارية في الساق والرأس، ومات على الفور.
رغم أن ھيومن رايتس ووتش لم تتمكن من التوصل إلى تفاصيل إطلاق النار، فقد قال الشھود إن قوات الأمن الوطني، مرت في سيارات بيضاء، ھي المسؤولة.
• في مثال آخر من ٢٥ سبتمبر/أيلول، أطلقت قوات الشرطة المسلحة النار على سارة عبد الباقي وقتلتھا، وھي طالبة تبلغ من العمر ٢٩ عاماً. كانت مع أقارب آخرين خارج بيت عمھا في حي الدروشاب، حيث تجمعوا بعد أن سمعوا أن صھيب، قريب سارة البالغ من العمر ١٤ عاماً، قد قُتل بالرصاص على يد قوات الأمن في اليوم نفسه. وصفت شقيقة سارة الصغيرة الواقعة:
• عندما وصلنا كان ھناك حشد كبير من النساء والجيران والأصدقاء أمام بيت عمنا. رأينا الامتعاض والغضب. حاصرنا شرطة مكافحة الشغب، وأيضاً بعضرجال الأمن الوطني في ثياب مدنية. ثم سمعنا عدة طلقات والتفتت لأنظر لسارة. رأيتھا تسقط على الأرض… وكانت تنزف بغزارة. أصيبت في جانب بطنھا
الأيسر، قرب كليتھا اليسرى.
• وفي ٢٧ سبتمبر/أيلول الذي سُمي “جمعة الشھداء” من قبل النشطاء السياسيين السودانيين، بدأت المظاھرات ضد قتل المتظاھرين بعد صلاة الجمعة. يُعتقد أن العشرات قد قتلوا في ٢٧ سبتمبر/أيلول، ومن بينھم د. صلاح الدين السنھوري، وھو صيدلاني يبلغ من العمر ٢٨ عاماً، وقد اصيب براصة في الظھر
أثناء التظاھر في ضاحية بري بالخرطوم. أصبحت وفاة السنھوري رمزاً على حملة القمع، وسبباً للحشد في المظاھرات المعارضة للحكومة أثناء الاحتجاجات وفي وسائل الإعلام.
• وفي بحري شمالي الخرطوم، في ٢٧ سبتمبر/أيلول قتلت قوات الأمن أسامة محمدين الأمين البالغ من العمر ٢٠ عاماً بالرصاص، فيما كانت القوات تحاول تفريق عدد كبير من المتظاھرين في مسيرة نحو مجمع محاكم بحري. قال أحد الشھود أن بعد سماح الشرطة باستمرار المظاھرة، فإن قوات الأمن المسلحة لدى
المجمع قامت بضرب المتظاھرين بالعصي وأطلقت النار على الحشد :
• قام رجال الأمن الوطني بمنعنا من التقدم، وكانوا مسلحين بالكلاشنيكوف ويرتدون المموه ويستقلون سيارات
تويوتا لاندكروزر. ألقوا علينا بالغاز وقالوا لنا أن نذھب […] بدأوا في ضربنا بالعصي. التفتنا نحو المحاكم وبقينا على الطريق الرئيسية. ونحن ھناك سمعنا عيار ناري ورأيت أسامة الذي كان يقف أمامي وسط الطريق يقع. أصيب في الرأس فوق الحاجب الأيسر. في ذلك الوقت، كان ھناك عناصر من الأمن الوطني في ثياب مدنية ورجال شرطة يقفون أمام المحاكم. لست متأكداً من أطلق عليه النار تحديداً، لكن الرصاصة جاءت من اتجاھھم.
• في اليوم نفسه في منطقة الصافية ببحري، سجلت د. سمر ميرغني أبنعوف، صيدلانية، على ھاتفھا مقتل صبي على يد رجال الشرطة أثناء احتجاجات في حيھا. قالت: “فيما كنت أصور تم إطلاق النار على صبي ومات أمام عيني، على مسافة مترين تقريباً. كنت في حالة صدمة. بدأت أصرخ واستمر التصوير. وثقت عملية قتل الصبي بالكامل. ثم اقترب مني رجال الأمن وخطفوا ھاتفي”. بعد ھذا بقليل احتجزتھا الشرطة وقامت بضربھا.
• وفي الكلاكلة جنوبي الخرطوم، وصف محمد (ليس اسمه الحقيقي) من المشاركين في مظاھرة سلمية أمام مسجد الإسكان، كيف أصيب برصاصة. قال إنه كان برفقة ٣٠ متظاھراً آخرين يحتجون على ارتفاع أسعار الوقود، عندما قامت سيارة شرطة “بالاقتراب منا، ثم مرت بنا، لكن بعد عدة أمتار أطلقوا الرصاص الحي علينا مباشرة”. تفرقت المجموعة، ثم عاودت التجمع بعد نصف ساعة وبدأوا في التظاھر مرة أخرى. “ما إن اقتربنا [من الشرطة] بدأوا في إطلاق النار علينا. شعرت بالخدر في ساقي اليسرى. رأيت الدم ينساب ولم أتمكن من الجري. زحفت حتى أول بيت وجدته”. نفس الشاھد رأى أيضاً إطلاق النار على الصادق أبو زيد عز الدين، ١٧ عاماً، الذي مات متأثراً بإصابته.
• جزء كبير من أعمال القتل المبلغ بھا وقعت في ضواحي أكثر فقراً مثل مايو والحاج يوسف. من بين وقائع القتل المؤكدة مقتل عبد لله يوسف سليمان، تاجر يبلغ من العمر ٦٨ عاماً، أصيب بأعيرة نارية قرب سوق ستة، وھو سوق في مايو، ومات بعد أربعة أيام. وھناك عمر خليل إبراھيم خليل البالغ من العمر ١٩ عاماً، وصالح صادق عثمان صادق، البالغ من العمر ١٥ عاماً، وقد قُتلا في محطة حافلات الحاج يوسف برصاص في الرأس، يوم ٢٥ سبتمبر/أيلول.
وقائع إطلاق النار في أمدرمان
• أمدرمان، واحدة من ثلاث بلدات تشكل العاصمة الخرطوم، شھدت احتجاجات شعبية ضخمة في عدة أحياء بھا بدءاً من ٢٤ سبتمبر/أيلول. وكما ھو الحال في الخرطوم، فقد قامت قوات الأمن المسلحة المتمركزة بتفريق المتظاھرين بطريق فتح الرصاص الحي عليھم وقتل الكثيرين. فيما يلي بعض الحالات المؤكدة:
• في الفتح، وھي ضاحية فقيرة يتحدر سكانھا بالأساس من دارفور وجبال النوبة، بدأت مسيرة طلابية في ٢٥ سبتمبر/أيلول ضد ارتفاع أسعار الوقود ونفقات المعيشة. قال شاھد ل ھيومن رايتس ووتش: “لم يكن ھناك أحد يحمل في يده شيئاً باستثناء حقائب المدارس”. عندما بلغ المتظاھرون مركز الشرطة، قام رجال الشرطة في ثياب رسمية وفي ثياب مدنية بإطلاق الذخيرة الحية على المتظاھرين، ما أدى إلى تفرقھم.
• بعد قليل، حوالي الساعة ١٠:٣٠ صباحاً، قام أحدھم بإطلاق زخة من الذخيرة الحية على المتظاھرين فقتل طالب يبلغ من العمر ١٧ عاماُ يُدعى محمد أحمد الطيب. تعرف الشھود على مطلق النار، وھو أحد أعضاء شرطة أمن المجتمع يملك متجراً في الحي تم نھبه بعد ذلك. قال الشاھد: “بعد الواقعة زاد غضب المتظاھرين وبدأوا في إلقاء الحجارة وإشعال الإطارات، وردت الشرطة بالرصاص”. بعض رجال الأمن صعدوا إلى سطح مبنى وأطلقوا النار على المتظاھرين فقتلوا وأصابوا العديدين.
• وفي منطقة بانت في اليوم نفسه، أطلقت الشرطة النار على مصعب مصطفى، وھو فنان تشكيلي يبلغ من العمر ٢٩ عاماً، أثناء مظاھرة. طبقاً للشھود فإن حشداً من المتظاھرين تحرك باتجاه مركز الشرطة فأطلق رجال الشرطة الرصاصفي الھواء والغاز لتفريقھم. سمع أحد الشھود ضباط الشرطة يقولون: “أطلقوا النار على أبو شَعر”، إشارة إلى مصعب:
• ثم قام رجل الشرطة [إلى الجانب الأيمن] بتوجيه الكلاشنيكوف إلى الحشد وأطلق رصاصة واحدة. رأيت مصعب يسقط على الأرض. راح يرتعد لكنه نھض مرة أخرى والدم ينزف من صدره. راح يشھق وسار متراً واحداُ ثم سقط مرة أخرى.
• والد مصعب – الذي وصف قتل ابنه على مقطع فيديو على يوتيوب – قال إن الطبيب أكد أن الرصاصة دخلت من ظھر ابنه وخرجت من صدره.
• وفي الثورة، فإن صلاح الدين داود محمد داود، البالغ من العمر ٦٥ عاماً والمبتورة ذراعه اليمنى في حادث سيارة عام ١٩٦٦ ويدافع عن حقوق المعاقين، قد تعرض لرصاصة في الركبة فيما كان على مقربة من بيته لشأن من شؤونه. في حيه السكني كان رجال جھاز الأمن الوطني يطلقون النار على الشباب، الذين راحوا
يلقون الأحجار والطوب. بعد ھدنة في إطلاق النار، خرج داود من بيته، لكن أصيب برصاصة في ركبته اليسرى، ما أدى إلى بترھا. قال: “لا أعتقد أنھم استھدفوني تحديداً، لكنھم كانوا يستھدفون الشباب”.
• وفي أمبدة، وود نوباوي وأبو رووف وغيرھا من الضواحي، تعرض الكثير من المتظاھرين وبينھم طلبة صغار للقتل والإصابة أثناء الأسبوع. في أمبدة تم إطلاق النار على نور الدين الطيب نور الدين دھب – ١٤ عاماً – فسقط قتيلاً، في ٢٥ سبتمبر/أيلول من قبل عناصر جھاز الأمن الوطني الذين دخلوا الحي في عربات لمطاردة الشباب الذي كان يسير على الأقدام. ٣٦ في أبوروف يوم ٢٥ سبتمبر/أيلول أطلقت الشرطة الذخيرة الحية على المتظاھرين الذين كانوا في مسيرة سلمية باتجاه مركز الشرطة، طبقاً لشاھد تحدثت إليه ھيومن رايتس ووتش. أصابت رصاصة أحمد بدوي عثمان، في أواسط العشرينيات، في رأسه، فأردته قتيلاً.
………………….
رد الفعل الدولي .
كان رد الفعل الدولي على قتل المتظاھرين خافتاً واھناً، مع بيانات أولية قليلة دون جھود مستدامة للضغط على السودان بشأن وعوده بالتحقيق في أعمال القتل والانتھاكات ذات الصلة.
في ٢٧ سبتمبر/أيلول أصدر مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بياناً أعرب فيه عن “عميق القلق إزاء التقارير بمقتل أعداد كبيرة من الناس أثناء مظاھرات في شتى أنحاء السودان منذ يوم الاثنين” وطالب “جميع الأطراف بالامتناع عن اللجوء إلى العنف وأن يحافظ المتظاھرون على الطبيعة السلمية لمظاھراتھم”.
وفي اليوم نفسه فقد أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية بياناً يدين “القمع العنيف للمتظاھرين في الخرطوم” وأعربت عن قلقھا إزاء اعتقال واحتجاز النشطاء ودعت الحكومة إلى “كفالة الفضاء السياسي اللازم للحوار الحقيقي مع الشعب السوداني”.
وفي ٣٠ سبتمبر/أيلول أعرب الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي عن القلق إزاء خسارة الأرواح واستخدام القوة المفرطة والاحتجاز.
لم يتفاعل الاتحاد الأفريقي مع الاحتجاجات، وظلت الأمم المتحدة صامتة اللھم إلا من خلال تصريحات الخبير الأممي المستقل المعني بالوضع في السودان، مسعود أديبايو بادرين. في ٣ أكتوبر/تشرين الأول أعرب بادرين عن القلق إزاء عدد الاعتقالات والاحتجاز الكبير منذ ٢٣ سبتمبر/أيلول والرقابة المشددة على الإعلام المحلي. في ١٩ فبراير/شباط ٢٠١٤ إثر زيارته للسودان قال: “يتوقع المجتمع الدولي تحقيقاً مستفيضاً بانتھاكات حقوق الإنسان التي وقعت أثناء مظاھرات سبتمبر/أيلول” وأشار إلى أن الحكومة أخبرته بأنھا تؤسس للجنتين للتحقيق في وقائع سبتمبر/أيلول. “يؤسفني ملاحظة أن خمسة شھور بعد ھذه الوقائع لم تصدر بعد اللجان المشكلة من قبل الحكومة تقاريرھا حول الوقائع”.

يتعين على الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والدول الأعضاء في ھذه المنظمات ممارسة ضغوط علنية ومستمرة أكثر على السودان من أجل توفير المحاسبة على أعمال عنف سبتمبر/أيلول وإنھاء استخدامھا المستمر للذخيرة الحية ضد المتظاھرين السلميين، والاعتقال غير القانوني والقيود على الإعلام.



AddThis