Monday, May 15, 2017

التأمين الصحي في السودان

ظلت الدولة السودانية، ومنذ استقلال البلاد في العام 1956 تقدم الخدمات الطبية مجاناً. وفي سبعينات القرن الماضي ارتفعت تكلفة الخدمات الصحية، وأصبحت تشكل عبئاً على الدولة مما أدى إلى تدهورها، فتم اقرار نظام العلاج الاقتصادي والذي يعنى تقديم العلاج بالمستشفيات الحكومية للقطاعات المنظمة من العاملين بالدولة وذلك بعد استقطاع مساهمة مالية من مرتباتهم لصالح وزارة الصحة، من اجل تخفيف هذه الأعباء على الدولة، والمحافظة على جودة الخدمات. الا ان نظام العلاج الاقتصادي لم يوقف تدهور الخدمات الطبية، بل ادى إلى زيادة العبء العلاجي على الدولة والمواطن.
وفي العام 1984 طرحت نقابة أطباء السودان مقترح التامين الصحي عبر وزارة الصحة، والتي تحمست للفكرة وطلبت من هيئة الصحة العالمية ابتعاث كوادر مؤهلة لوضع أسس علمية لنظام التامين الصحي في السودان. وبالفعل أوفدت هيئة الصحة العالمية البروفيسور كاليمو الخبير في مجال التامين الصحي، والذي قام بإجراء الدراسات اللازمة وأعد تقريراً كان بمثابة اعلان نهاية عهد مجانية الخدمات الصحية وبداية ما أصبح يعرف بالتامين الصحي.
وقد عرف نظام التامين الصحي بانه من أهم الواجبات التي تضطلع بها الدولة من أجل صحة المواطن، وهو أحد أشكال الضمان الاجتماعي، تتكامل فيه إمكانيات الدولة مع قدرات المجتمع لتوفير الرعاية الصحية لكافة قطاعات المجتمع، لا سيما تلك التي تواجه صعوبات في تلقي الحد الأدنى من الرعاية الصحية اللازمة لاستمرار الحياة والمساهمة في التنمية.
وجاء في تقرير هيئة الصحة العالمية حول تصورها لإطلاق عملية التامين الصحي في السودان خلال حقبة الحكم الديمقراطية ما يلي:
·         وجود ارتفاع في الوعي الصحي قاد إلى زيادة الطلب على الخدمات الطبية بحيث لا تستطيع الدولة وحدها تغطية تكاليفها، مما يتطلب فرض رسوم معقولة لتلقي تلك الخدمات.
·         زيادة الإنتاج تحتاج إلى قوى عاملة صحيحة البدن، كما أن القطاع الخاص يعاني من نقص واضح في الخدمات الطبية المقدمة للعاملين به.
·         هناك مستشفيات كثيرة تصلح لأن تكون نواة للتامين الصحي في السودان.
·         التأمين الصحي هو أحد المؤشرات لتطبيق رعاية صحية جيدة.
·         تطبيق نظام التامين الصحي سيؤدي إلى إيقاف هجرة الكوادر الطبية المؤهلة.
·         انسب نظام للتامين الصحي يتطلب ان يكون تحت إدارة حكومية ويقدم خدمات طبية شاملة تعتمد في تمويلها على مساهمات الدولة و اشتراكات المستفيدين، على أن تكون تلك الاشتراكات ذات معدلات مئوية مستقطعة من المخدمين والمستخدمين.
 وعلى الرغم من التصور التدريجي، والمعقول نسبيا، في الانتقال من نظام مجانية العلاج الى نظام التامين الصحي، عبر توصيات ومراحل واضحة حددها خبير هيئة الصحة العالمية البروفيسر كاليمو الا ان ذلك التصور لم يجد حظه في التنفيذ بسبب التحولات السياسية الكبيرة التي شهدها السودان بعد الانقلاب العسكري للجبهة الاسلامية القومية في 1989، والذي قام بدوره بدق اخر مسمار في النظام الصحي السوداني بتحويل الخدمات الصحية الى سلعة تجارية تميز بين المواطنين، واضعة الملايين من السودانيين فريسة للأمراض.
في بداية التسعينات تم الإعلان عن سياسة التحرير الاقتصادي التي تم بموجبها رفع الدعم الحكومي عن الخدمات الطبية، وقامت الحكومة السودانية في العام 1991 بفرض رسوم على دخول المستشفيات العامة وعلى تلقي الخدمات العلاجية فيها. وفي محاولة للحد من الآثار السالبة لهذا القرار، تم تطبيق نظام العلاج الاقتصادي والتكافلي بالمستشفيات وإنشاء دائرة العلاج الاقتصادي. إلا أن هذا المشروع واجه عقبات عديدة، أهمها صعوبة تقديم الخدمات الطبية لغير القادرين من ذوي الدخل المحدود وأرباب المعاشات، لذلك لجأت الحكومة السودانية إلى تطبيق نظام التأمين الصحي المجتمعي الذي يقوم على فكرة توزيع الخطر على أوسع نطاق مجتمعي والاستفادة من مساهمات الأعداد الكبيرة المؤمن لها لتغطية تكاليف العلاج.
أدت هذه التحولات الي زيادة عبء الصرف على الصحة من قبل المواطنين، حين حوَلت الحكومة السودانية بعد انقلاب 1989 الخدمات الصحية من خدمات عامة تقدمها الدولة في اطار مسئولياتها الي سلعة يتحصل عليها المواطن بشكل شخصي، و يتضح هذا الامر عند النظر الى تناقص صرفها على هذه الخدمات، حيث بلغت نسبة صرف المواطنين على تلك الخدمات(64.3) % بحسب تقرير اقتصاديات الصحة الصادر في العام 2008، الذي قدر متوسط الصرف الكلي على صحة المواطن الواحد بحوالي (111) دولار سنوياً، يدفع منها المواطنون (71) دولار، هذا إضافة الى عدم المساواة في توزيع ميزانية الصحة الحكومية على المحليات في الولايات المختلفة، فعلى سبيل المثال يبلغ نصيب محليات ولاية الجزيرة من الصرف الحكومي الكلي على الصحة نسبة 25.5%، وبولاية الخرطوم تبلغ النسبة 24.8%، بينما تصل هذه النسبة في الولاية الشمالية وولاية النيل الأزرق وولاية غرب دارفور الي 0.3% و 0.5% و 0.7% على الترتيب، الرسم البياني ادناه يوضح نسب توزيع ميزانية الصحة على المحليات في الولايات المختلفة.

 
أدى كل ذلك الي تزايد الاعتماد على التأمين الصحي خصوصاً وسط القطاعات المنظمة، مثل موظفي الدولة والمزارعين، وقامت الدولة بمحاولات لتنظيم التأمين الصحي فأصدرت قانون الهيئة العامة للتأمين الصحي لسنة 1994 لحل مشكلة العلاج بالبلاد، وشرعت في التنفيذ بمساعدة من منظمة الصحة العالمية، وتم تقديم أول خدمة طبية بولاية سنار العام 1995، ثم اتسعت دائرته بعد ذلك ليغطي بنسب محدودة معظم ولايات السودان.
 وفي العام 2001 تم إصدار قانون التأمين الصحي الذي تم تعديله في العام 2003، والذي بموجبه تم تعديل اسم الهيئة العامة للتأمين الصحي لتصبح الصندوق القومي للتأمين الصحي.
سلبيات قانون التامين الصحي
تعرض قانون التامين الصحي للعام 2001 المعدل في العام 2003 إلى الكثير من الانتقادات، وأبرزها تلك التي أوردها البروفيسور محمد عثمان خلف الله أستاذ قانون العمل والتأمينات الاجتماعية بجامعة النيلين، في الدراسة التي أجراها عن سمات قوانين التامين الصحي في السودان حيث أعاب على هذا القانون الآتي:
1.     لم يحدد نسبة الحد الأدنى للاشتراك في القانون، ومنح مجلس إدارة الصندوق الحق في تعديلها وسلطة تطبيق التأمين على الفئات الفقيرة.
2.     لم يحدد نسبة الاشتراك المئوية للتأمين الصحي، وتجاهل الأطراف المعنية بالاشتراك وهي (صاحب العمل – العامل – الحكومة)، ومنح صلاحيات التعديل لمجلس الوزراء بالتشاور مع مجلس إدارة الصندوق.
3.     لم يحدد التزام الدولة المالي للتامين الصحي بنسب مئوية من الأجور، وجعل حجمها يحدد سنوياً في الموازنة العامة، مما جعل هذا الالتزام متفاوتا حسب الوضع الاقتصادي للدولة وتوفر السيولة.
4.     أفرط هذا القانون في منح السلطات للولايات.
5.     منح الولايات الحق في إصدار تشريعات ولائية للتامين الصحي، مما مكنها من إصدار قوانين ولائية ربما تكون متناقضة مع القانون القومي.
6.     جعل العلاقة بين الصندوق القومي للتامين الصحي والولايات علاقة تنسيق وليس علاقة إدارية، مما أزال سلطة الإشراف والرقابة من المركز.
7.     جعل إلزامية الخضوع للقانون شاملة، مع إعطاء الحق في إدارة نظم تامين صحي خاصة لا تتعارض مع أسس ومبادئ التامين الصحي، إلا أن هذه الإلزامية تنقصها سلطة التطبيق
8.     قصر حق استخدام العاملين في الصندوق القومي للتامين الصحي وفي الإدارات التنفيذية بالولايات على مدير عام الصندوق القومي.
9.     لم يحدد الأمراض التي لا يغطيها التأمين الصحي في صلب القانون.
10.                        جعل نسبة المساهمة المالية التي تفرض على الولايات لصالح الصندوق بالمركز غير محددة سلفاً، ومنح سلطة تحديدها لمجلس الوزراء.


ميزانية التأمين الصحي:
تعتبر أوجه صرف أموال التأمين الصحي أحد اكبر مناحي القصور في تطبيق هذا النظام في السودان، حيث يتم صرف حوالي ثلث الميزانية على الجانب الدوائي، بينما تبلغ نسبة الصرف الإداري على نظام التأمين الصحي حوالي 23.3% من ميزانية التأمين الصحي الحكومي الكلية، بالمقارنة مع نسبة الصرف الإداري في شركات التأمين الصحي الخاصة والتي تبلغ حوالي 9.6% فقط.  الرسم البياني ادناه يعكس توزيع ميزانية التأمين الصحي.
صاحب تنفيذ فكرة التأمين الصحي بالسودان الكثير من السلبيات، منها قلة الوعي بالتامين الصحي، والقصور الإداري والبيروقراطية التي لازمت اغلب أجهزة الدولة الرسمية، والتي لم تسلم منها الأجهزة الرسمية المناط بها إدارة التامين الصحي في البلاد، في مقابل نمو مطرد لشركات التأمين الصحي الخاصة، مما يتسق تماما مع سياسة الدولة في تحويل الخدمات الصحية من خدمة عامة الي سلعة في السوق، وكانت ابرز سلبيات التأمين الصحي ما يلي:
أولاً: محدودية انتشار التامين الصحي وسط الفئات غير المنظمة والفقراء
من الملاحظ بان نسبة التغطية التأمينية في السودان ضعيفة جداً ولا تتناسب مع حجم السكان، وبحسب الورقة التي قدمها الأستاذ محمد إبراهيم الزبير مدير إدارة التغطية السكانية بالصندوق القومي للتامين الصحي، في الدورة التدريبية التي عقدت لمناقشة النظم التطبيقية لقوانين الخدمة العامة والتأمينات الاجتماعية في ديسمبر من عام 2014، فقد بلغت هذه النسبة (32.1)% من جملة عدد سكان السودان، وتفاصيل توزيعها على الولايات على النحو الآتي :
الولاية
النسبة
الولاية
النسبة
ولاية الخرطوم
61.7%
ولاية شمال كردفان
22.3%
ولاية سنار
29.5%
الولاية الشمالية
36.3%
ولاية الجزيرة
26.5%
ولاية كسلا
22.5%
ولاية القضارف
38.2%
ولاية جنوب كردفان
24%
ولاية البحر احمر
26.4%
ولاية جنوب دارفور
15.5%
ولاية نهر النيل
34.1%
ولاية غرب دارفور
23.4%
ولاية النيل الأبيض
25.1%
ولاية وسط دارفور
37.5%
ولاية النيل الأزرق
34.7%
ولاية شرق دارفور
18%
ولاية غرب كردفان
35%
ولاية شمال دارفور
21.1%
وبرغم دخول القطاع الخاص فى التأمين الصحى فقد ارتفعت هذه النسبة في العام 2015 إلى (37)% فقط من جملة عدد سكان البلاد، بحسب إفادات وزيرة الرعاية الاجتماعية مشاعر الدولب التي نشرت بموقع وكالة السودان للأنباء (سونا) بتاريخ 30/8/2015، خلال مخاطبتها لملتقي المديرين التنفيذيين للتامين الصحي بقاعة الصداقة بالخرطوم، وهي تغطية تشمل أقل من نصف عدد سكان البلاد، وأضافت الوزيرة في ذات المخاطبة بأن وزارة المالية التزمت بسداد اشتراك (750) ألف من الأسر الفقيرة في التأمين الصحي، وهذا العدد لا يتناسب مع حجم الأسر الفقيرة بالبلاد، في ظل المعاناة الاقتصادية وتمدد الفقر.
ثانياً : أغلب الأدوية غالية الثمن خارج قائمة أدوية التأمين
يقوم التأمين الصحي بإصدار قائمة تتضمن الأدوية التي تصرف عبر التامين الصحي، يتم إعدادها بواسطة لجنة محايدة تتكون من كبار الاختصاصيين في التخصصات المختلفة والصيادلة، لتحديد الأدوية الأساسية التي يحتاجها المريض، وتعتمد هذه القائمة عبر ورشة عمل تعقد خصيصاً لهذا الأمر، كما تتم مراجعتها سنوياً بحذف وإضافة بعض الأدوية. ولكن برغم هذه الإجراءات التنظيمية ظلت السياسة الدوائية للتأمين الصحي منذ نشأته، تتعرض إلى الكثير من الانتقادات، خاصة فيما يتعلق بعدم شمولها للأدوية الجيدة، والغلاء النسبي للثمن الذي تصرف به عبر التامين الصحي، والاستعاضة عنها ببدائل غير جيدة ورخيصة الثمن.
و لتأكيد هذا القصور، انتقد مدير التامين الصحي بولاية الخرطوم عمر حاج حسين في تصريحاته التي نشرت بصحيفة الطريق الالكترونية بتاريخ 22/2/2014 السياسة الدوائية للتامين الصحي، حين أشار إلى تراجع نسبة قائمة الأدوية في التامين الصحي من (90)% إلى (63)%، نتيجةً لارتفاع أسعار الدواء، وذكر بأن الأدوية المقدمة في التأمين الصحي أقل جودة من تلك التي تباع في الصيدليات التجارية.
ثالثاً: الكثير من الأمراض والخدمات الطبية خارج تغطية التأمين الصحي
حددت المادة (31) من قانون الصندوق القومي للتامين الصحي لعام 2001 تعديل 2003 الخدمات الطبية التي يقدمها التامين الصحي في الآتي :
1.     الخدمات الطبية على مستوى الممارسة العامة.
2.     الخدمات الطبية على مستوى الأخصائيين، والعلاج بالمستشفيات.
3.     الفحص بالأشعة والفحوصات المعملية والمختبرية.
4.     صرف الأدوية اللازمة.
5.     العلاج والرعاية الطبية أثناء الحمل والولادة.
6.     علاج الأورام الخبيثة.
7.     علاج طب الأسنان في حالات (الأشعة – الخلع – الحشو – علاج اللثة).
ولا يوجد تفصيل للأمراض والخدمات التي لا تشملها تغطية التامين الصحي في القانون، ولكن من الممارسة العملية فالتامين الصحي يقدم لمنسوبيه الخدمات التشخيصية المجانية الآتية :
1.     الكشف الطبي .
2.     مساعدات التشخيص (الفحوصات المعملية العادية والخاصة)، مثل فحص الهرمونات والايدز والرنين المغنطيسي ومناظير الجهاز الهضمي والتنفسي.
3.     كل العمليات الجراحية العامة والمتخصصة بالليزر مثل تفتيت الحصاوي وعمليات الشبكية، ويستثنى من ذلك العمليات التي لا تندرج ضمن الممارسة العامة على سبيل المثال ( جراحة المخ والأعصاب – جراحة القلب المفتوح – زراعة الكلى وغيرها من العمليات الكبيرة ).
4.     خدمات غسيل الكلى.
5.     علاج الأسنان في حالات ( الخلع – الحشو – علاج الجذور – وعلاج اللثة ).
ورغم الفلسفة التي استند عليها التامين الصحي في إخراج بعض الأمراض والخدمات الطبية من مظلة التامين الصحي، بتصنيف تلك الخدمات كخدمات خاصة وتكميلية، إلا أن هذا الأمر ينطوي على الكثير من الإجحاف، فحامل بطاقة التأمين يرغب في تجنب دفع تكلفة المخاطر المرضية التي قد يتعرض لها عبر اشتراكه في هذا البرنامج التكافلي، وهو لا يختار الأمراض التي تصيبه، فعلى سبيل المثال فإذا فقد أسنانه نتيجةً لأي مرض أو حادث فالتأمين الصحي لا يغطي زراعة وتركيب الأسنان والأطقم رغم أهميتها الصحية القصوى بالنسبة للإنسان، كأول خطوة في عمل الجهاز الهضمي وفي النطق، وكذلك لا يغطي التأمين الصحي علاج جذور الأسنان، ومن المعلوم عالميا إن تكلفة علاج الأسنان هي الأعلى مقارنة مع غيرها من الخدمات الطبية على مستوى الممارسة العامة، فلماذا يواجه المواطن الموجود داخل مظلة التأمين الصحي هذه التكلفة العالية.
أيضا ما معنى أن يتمكن المواطن عبر التامين الصحي من مقابلة طبيب العيون ويشخص حالته ويقرر له ارتداء نظارة طبية بمقياس معين حتى يتمكن من الرؤية بشكل جيد، دون أن يستطيع الحصول عليها عبر التأمين الصحي.
كما أن تصنيف العمليات الجراحية الكبرى مثل (جراحة المخ والأعصاب وجراحة القلب المفتوح وزراعة الكلى وغيرها من العمليات الكبرى)، كخدمات طبية ذات ممارسة خاصة، وإخراجها من تغطية التامين الصحي، ينسف الفكرة الرئيسية للتامين الصحي التي تقوم على استفادة المواطن من التامين الصحي في تجنب خطر مواجهة التكلفة العلاجية العالية، عبر توزيع هذه التكلفة على نطاق واسع من المواطنين، فكان الأجدى البحث عن وسائل خاصة لمعالجة أمر هذه الخدمات الطبية ذات التكلفة العالية، بدلاً عن إخراجها بالكامل من مظلة التغطية التأمينية.
رابعاً : بعد المسافات  الجغرافية لمراكز الخدمة وعدم توفر الاختصاصيين وصعوبة مقابلتهم

اشتكى الكثير من المواطنين من بعد مراكز الخدمة المحددة لهم لتلقي الخدمات العلاجية، أو لتسجيل وصرف الأدوية دائمة الاستعمال شهرياً، بالإضافة إلى عدم تقديم الخدمات التأمينية في بعض المراكز خلال العطلات الأسبوعية، اضافة الى أن أغلب هذه المراكز لا يوجد بها أطباء اختصاصيين، ويتم تقديم الخدمة الطبية داخلها بواسطة نواب الاختصاصيون والأطباء العموميين، والمراكز القليلة التي يتواجد بها الاختصاصيين مزدحمة للغاية، وعيادات الاختصاصات الطبية موزعة على أيام الأسبوع، الأمر الذي يتطلب انتظار  المريض زمنا أطول حتى يستطيع مقابلة الاختصاصي.
الدكتور مصطفى صالح في ذات التصريحات المشار إليها سابقاً، أقر بان هناك مشكلة في توزيع المراكز الصحية، وهي جزء من مشكلة الخارطة الصحية في السودان عموماً، وذكر بأنه وبحسب وزارة الصحة فان (14)% من مناطق السودان لا توجد بها مرافق صحية.
خامساً البيروقراطية في الإجراءات والاستخدام الكثيف للمستندات الورقية
يعتمد التامين الصحي بالسودان في إجراءات تنظيم  الخدمات الصحية التي يقدمها لمنسوبيه على استخدام الكثير من المستندات والاستمارات الورقية، فضباط التأمين الصحي بمراكز الخدمات الصحية، تجدهم يقبعون خلف مجموعة ضخمة من الاستمارات المطبوعة بمختلف الألوان، والمخصصة لمختلف الخدمات الطبية التي يغطيها التأمين الصحي، ويقومون بتعبئتها يدوياً بإدراج معلومات المؤمن عليهم وتفاصيل بطاقاتهم العلاجية، ومن ثم يعتمدونها بختم التأمين الصحي وبتوقيعهم وختمهم، لذلك تجد الكثير من طالبي الخدمة مصطفين أمام هؤلاء الضباط للحصول على تلك الاستمارات، وتزداد المعاناة من هذه البيروقراطية عند إجراءات صرف الأدوية دائمة الاستعمال التي خصص لها التامين الصحي سجل  معين يتم تعبئته شهرياً بواسطة الطبيب، ويشترط حضور المريض شخصياً لإكمال هذا الإجراء، وهناك إجراءات طويلة ومعقدة تتم في الإدارات التنفيذية للسماح بصرف هذه الأدوية إذا تعذر حضور المريض، بعد إثبات عجزه أو كبر سنه وصعوبة حركته.
وتمتد هذه المعاناة عند تحويل المواطن لشراء الأدوية من الصيدليات التجارية لعدم توفرها في صيدليات التامين الصحي، حيث تخصص الإدارات التنفيذية للصندوق يوم معين لاسترداد قيمة تلك الأدوية، وتشترط على المريض أن يحضر كافة المستندات التي تم بموجبها السماح له بشرائها من الصيدليات التجارية مصحوبة بالبطاقة العلاجية والفاتورة، ليبدأ دورة طويلة من الإجراءات الإدارية والمالية والمراجعة، وأحيانا كثيرة لا يتمكن من استرداد المبلغ في نفس اليوم لعدم توفر السيولة لدى أدارات التأمين الصحي.
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا يصر القائمين على قيادة التامين الصحي على عدم تطوير إجراءاته، والاستمرار في العمل بهذه الطريقة البدائية التي تعتمد على استخدام هذا الكم الهائل من الاستمارات؟ رغماً عن الاتجاه العام في الدولة يتجه إلى حوسبة كافة المعاملات، وماهي الصعوبة في إعداد برنامج الكتروني يستوعب كافة الخدمات التي يقدمها التامين الصحي وربطها مع بيانات المؤمن عليهم ؟، بحيث يستطيع الموظف انجاز مهامه وتقديم خدمات التأمين في زمن أقل، ولا يحتاج الطبيب إلى تدوين قائمة الأدوية الدائمة يدوياً، فيكفي فقط إدراجها في المكان المخصص للمريض في البرنامج الالكتروني.
سادساً : عدم سداد التامين الصحي لالتزاماته المالية لبعض المؤسسات الصحية
يقدم التامين الصحي خدماته التأمينية عبر الكثير من المراكز العلاجية بخلاف تلك التي تتبع له، فهو يتعامل مع كافة المستشفيات الحكومية والمراكز المتخصصة مثل مراكز أمراض وغسيل الكلى وأمراض القلب والأورام الخبيثة.
 يوفد التأمين الصحي موظفيه لتنظيم وحصر الخدمات التي يحصل عليها منسوبيه بتلك المراكز، على أن يقوم بسداد قيمة تلك الخدمات في الفترة التي يحددها تعاقده مع تلك المراكز والمستشفيات. ويحدث كثيراً أن يعجز الصندوق عن سداد التزاماته المالية في الفترة المقررة، متعللاً بعدم توفر السيولة أحياناً، وبعدم حصوله على الاشتراكات الشهرية من المؤسسات المتعاقدة معه أحياناً أخرى، مما يقود إلى إيقاف تقديم الخدمات الطبية إلى منسوبيه بتلك المراكز والمستشفيات.
هذه المبررات شأن إداري يخص الصندوق والمؤسسات المتعاقدة معه، ولا تعني المؤمن عليهم من الذين سبق ان استقطعت اشتراكاتهم سلفاً من مرتباتهم، ولا ذنب لهم في الحرمان من الحصول على الخدمات الطبية نتيجة لعجز الصندوق عن الإيفاء بهذه الالتزامات، بسبب مماطلة المؤسسات المتعاقدة معه في سداد اشتراكات سبق ان تم تحصيلها من المشتركين ولم تسددها لسبب تعلمه هذه المؤسسات.
الفساد المصاحب لنظام التامين الصحي
صاحب تنفيذ نظام التامين الصحي بالسودان العديد من حالات الفساد، بسبب ان نجاح التجربة سيقود الى الاضرار بالمصالح الذاتية للكثير من الافراد والمؤسسات التي تستثمر في تسليع الخدمات الصحية، وفيما يلي نورد بعض حالات الفساد التي صاحبت التامين الصحي:
1.     (العنابر) العامة بالمستشفيات الحكومية التي يحجز بها مشتركي التامين الصحي، غير نظيفة ومكتظة بالمرضى ومتسخة الأثاثات وتعج بالقطط الضالة، مما يشير الى أن هذا الأهمال من قبل إدارة المستشفيات مقصود به دفع المواطن إلى مغادرتها الى العنابر الخاصة المدفوعة القيمة، رغماً عن ارتفاع تكلفتها وتصنيفها كخدمات خارج تغطية التامين الصحي.
2.     التلاعب في تنظيم قوائم انتظار إجراء العمليات الجراحية بالمستشفيات الحكومية. فنظراً للأعداد الكبيرة من المرضى، درجت تلك المستشفيات على إعداد قوائم لتحديد أولوية إجراء العمليات الجراحية للمرضى الذين تقرر لهم إجراء تلك العمليات، وقد تمتد مدة الانتظار لفترة قد تمتد أحيانا شهوراً عديدة، مما يدفع المرضى ومرافقيهم لتقديم رشوة إلى الموظفين المسئولين عن تلك القوائم حتى يتم تعديل ترتيبهم المتأخر، أو التخلي عن التغطية التأمينية واجراء العمليات الجراحية بالمستشفيات الخاصة.
3.     إهمال كبار الاختصاصيين تقديم خدماتهم الطبية عبر عيادات التشخيص العامة بالمستشفيات الحكومية ومراكز التامين الصحي، و ترك المهمة لنوابهم وللأطباء العموميين، كما أن تواجد الاختصاصيين في تلك العيادات  مرتبط بأيام محدده خلال الأسبوع  لرؤية عدد محدود من المرضي، مما يدفع المرضى الراغبين في الاستشارة الطبية للاختصاصيين إلى التخلي عن تغطية التامين الصحي والتوجه إلي العيادات الخاصة.
4.     تشمل كذلك حالات الفساد، إخفاء الأدوية التي يقررها الطبيب المعالج للمريض وبيعها بأسعار أعلى للصيدليات، رغم أن هذه الأدوية، حسب وثيقة التأمين الصحي، يجب أن يتم توفيرها عبر صيدليات التأمين الصحي. ففي حلالات عديدة يفاجأ المريض بأن الأدوية المقررة له قد نفذت و أن لا خيار للمريض إلا أن يلجأ للصيدليات التجارية لشراء الدواء ثم التقديم للتأمين الصحي لاسترداد قيمتها.
5.     يطالب العاملين بالمستشفيات الحكومية والخاصة التي تقدم خدمات التامين الصحي، بمقابل مالي بشكل علني، على سبيل المكافأة نظير قيامهم بمهامهم الوظيفية، فعلى سبيل المثال تطالب القابلات بمستشفيات التوليد آباء المواليد بمبلغ مالي على سبيل (البشارة) نظير إخطارهم بقدوم المولود الجديد، وهو عرف سائد ويتم بشكل علني وأمام أعين المسئولين، وفي حالة عدم الدفع ستتعرض المريضة إلى الإهمال والمعاملة القاسية والتجهم والعنف اللفظي، ويمتد هذا الامر ليشمل عمال النقالات والنظافة والخفراء حتى يسمحوا بزيارة المريض في غير الأوقات المخصصة للزيارة.
ولمواجهة سلبيات تجربة نظام التامين الصحي، وللتصدي لحالات الفساد المصاحبة يمكن القيام الخطوات التالية:
1.     مقاومة عملية تسليع عملية تقديم الخدمات الصحية وتحويها الى سلعة تجارية، بما فيها مقاومة عمليات الخصخصة في القطاع الصحي.
2.     العودة الى نظام مجانية العلاج بصورة مدروسة لدعم قطاعات معينة من المجتمع السوداني، تتكامل مع نظام التامين الصحي بعد اصلاحه.
3.     على الدولة أن تزيد من مساهماتها المالية لصندوق التأمين الصحي وذلك لتمكينه من توسيع تغطيته لتشمل جميع قطاعات المجتمع.
4.     بذل الجهد الإعلامي عبر كافة وسائل الإعلام للتعريف بالتأمين الصحي وحقوق المؤمن لهم و كيفية الحصول على الخدمات التى وعدهما بها نظام التأمين الصحي.
5.     يجب على وزارة الصحة الاتحادية ووزارات الصحة الولائية إصدار قوانين و لوائح حازمة لمراقبة عمل التأمين الصحي بهدف تقديم خدمات طبيبة عالية الجودة و تسهيل إجراءات الالتحاق بالتأمين الصحي.
6.     على منظمات المجتمع المدني العمل مع المواطنين و مساعدتهم فى الحصول على الخدمات التي وعدهم بها الصندوق و الدفاع عنهم أمام المحاكم فى مواجهة الصندوق، ومراقبة اداء نظام التامين الصحي عموماً.
7.     تسهيل الإجراءات الإدارية بالصندوق، مثل استخراج البطاقة العلاجية واسترداد المبالغ التي تدفع لشراء الأدوية من خارج صيدليات التامين الصحي.
8.     تأهيل وتطوير كفاءة مراكز تقديم الخدمة والاهتمام بها، ومراجعة خريطة توزيعها بحيث تحقق أكبر قدر من الانتشار، حتى تنتهي ظاهرة التكدس في المراكز التشخيصية.
9.     تقديم الخدمات التأمينية على مدار الأسبوع وخلال العطلات الأسبوعية، وعلى مدار ساعات اليوم بتوفير الخدمات التأمينية بأقسام الحوادث والطوارئ.
10.                        توسيع دائرة الأمراض والخدمات الصحية التي يغطيها التامين الصحي، فبالرغم من أن التامين الصحي يغطي الحزمة الأساسية للخدمات الصحية، إلا أن هناك الكثير من الأمراض والخدمات الطبية ذات التكلفة العالية مازالت خارج التغطية التأمينية.
11.                        حوسبة إجراءات ومعاملات الصندوق القومي للتامين الصحي، بإعداد برنامج الكتروني يستوعب كافة الخدمات التي يقدمها التامين الصحي، وربطها مع معلومات بطاقات المؤمن عليهم، حتى تتحقق السرعة في انجاز المعاملات، والاستغناء عن العدد الكبير من المستندات والاستمارات الورقية المستخدمة حالياً في انجاز تلك المعاملات.


Saturday, May 13, 2017

التمييز الديني ضد المسيحيين السودانيين



في تطور جديد لحوادث الاضطهاد الديني والتمييز ضد المسيحيين السودانيين، شهدت باحة المدرسة والكنيسة الإنجيلية بامدرمان مقتل الشيخ يونان عبد الله – احد قيادات الكنيسة الانجيلية بتاريخ ٣ ابريل ٢٠١٧. وترجع تفاصيل الحادثة الي الصراع الذي تخوضه الكنيسة الإنجيلية للدفاع عن أراضي الكنيسة والمدرسة، التي تحاول مجموعة مسنودة بوزارة الإرشاد بيعها وتخصيصها للاستثمار.
واصدرت مشيخة الكنيسة الإنجيلية بيان عن الحادث بتاريخ 6 ابريل 2017، كشفت فيه تفاصيل هذا الحادث والذي بدأ بهجوم من المجموعة المسنودة بوزارة الإرشاد استعانت فيه بقوات الشرطة لنزع أراضي الكنيسة وتسليمها للمستثمر، وكما كشفت الكنيسة في بيانها عن رفض الوزارة لتنفيذ حكم قضائي سابق يحمي الكنيسة وممتلكاتها. وفِي سياق مشابه وفي يوليو 2016 كانت قوة من الأجهزة الأمنية تستقل (5) سيارات مدججة بالسلاح اقتحمت المدرسة الإنجيلية بالخرطوم بحري واعتقلت ١٩ من القساوسة والشيوخ والطلاب، جميعهم من أبناء الطائفة الإنجيلية، والذين كانوا معتصمين داخل المدرسة التي تحاول السلطة بيعها لأحد المستثمرين.  وكما حكمت السلطات السودانية في يناير 2017 بالسجن لمدة 15 عاماً على القس السوداني حسن عبد الرحيم والناشط عبدالمنعم تولمان جراء تعاونهما مع القس التشيكي بيتر جاسيك في علاج شاب دارفوري تعرض للحرق على يد السلطات الأمنية. وحكمت السلطات على جاسيك بالسجن مدى الحياة قبل ان تعود وتطلق سراحه، ولكنها أبقت على عبدالرحيم وتولمان قيد الاعتقال.
وتأتي هذه الحوادث ضمن هجمة تمييز مستمرة، ومحاولات متكررة ومتزايدة منذ 2011، لنزع ممتلكات الكنائس السودانية وأوقافها، وفرض أنواع مختلفة من اشكال التضييق الأمني على نشاطات المسيحيين السودانيين المختلفة بمختلف طوائفهم. ويعزى هذا التعامل الي التمييز المضاعف الذي يتعرض اليه المسيحيين السودانيين، والذين ينحدر كثير منهم من مناطق النزاع المشتعل في جبال النوبة، الأمر الذي يجعل السلطات الأمنية تنظر الي مناطق تجمعاتهم الدينية كخطر أمنى.
إن واجب التضامن والوقوف ضد الاضطهاد المضاعف الذي يتعرض له المسيحيون السودانيون، هو واجب مقدم للقوى الوطنية والديمقراطية ليس من باب الوقوف مع الحق والعدالة فحسب ولكن من اجل المساهمة في رتق النسيج الاجتماعي الذي تقوم السلطة الحاكمة بتمزيقه من خلال ممارسات التمييز الاثني والعقائدي المستمرة. وكذلك فان من الضروري النظر الي ضرورة تضمين تمثيل المسيحين السودانيين في أي مقترحات للحل السياسي الشامل والدائم في السودان، وهو الامر الذي اثبتت ضرورته العملية تكرار أزمات التمييز الحالية.

Saturday, April 15, 2017

واقع المدافعين السودانيين عن حقوق الانسان


ان المدافعين المحليين عن حقوق الانسان – والذين يناضلون لوقف الشركات العالمية التى تدمر الاراضى المملكومة لشعوبهم, او الذين يوثقون  لجرائم الحرب البشعة التى ترتكب فى حق مجتمعاتهم, او يعملون على توفير الاغاثة لاسرهم النازحة- هم فى الواقع ليسوا فقط مدافعين عن الحقوق , بل انهم ضحايا ايضا. فبالنسبة للمدافعين المحليين, فان الشغف بالدفاع عن حقوق مجتمعاتهم هو امر شخصى وعاطفى لاقصى الحدود, فى معظم الاوقات, فان تفانيهم والتزامهم بنضالات مجتمعاتهم يتجاوز امكانياتهم المحدودة. فهم غالبا ما يختارون تجاهل احتياجاتهم الشخصية ليتمكنوا من تأمين النجاة لمجتمعاتهم – الا ان هذا الخيار له تكلفته العالية ايضا.
ان صمود المدافعين المحليين امام المعوقات والمخاطر المتعددة لا ينبع فقط من الشغف, وانما كذلك ينبع من تشاركهم مع الضحايا لذات التجارب والظروف. فعندما تكون مدافعا عن الحقوق فى العديد من المجتمعات المحلية , فان ذلك يعنى ايضا ان تصبح قائدا لصناعة التغيير وصوتا لمن لا صوت لهم. حيث ان هذه الادوار المختلفة تصاحبها مخاطر عالية فى التعرض للاضطهاد , خاصة بالنسبة للنشطاء الذين يقاومون فاعلين اقوياء سواء كان الفاعلين حكوميين او غير حكوميين.
وعلى الرغم من هذه المهددات المحدقة والضغوط, الا ان المدافعين عن الحقوق فى المستويات القاعدية, لا يمتلكون ترف الاستقالة من العمل , او اخذ استراحة او حتى الذهاب فى اجازة. اذ انهم ان قاموا باى من  ذلك ,  غالبا ما سيشعرون بالقلق اكثر من شعورهم بالارتياح, حيث ان المدافعين المحليين الذين وصلوا الى حد الانهاك الكامل وحالة الصدمة دائما ما يعانون من صراعات داخلية, لانهم لا يريدون ان يتخلوا عن اهلهم , لانهم ان افعلوا فانهم سينظرون لانفسهم على انهم خونة و جبناء. لذلك فانهم يستمرون فى العمل حتى يقعوا فريسة للمرض او الموت. فحتى اولئك الذين تعرضوا للاعتقال والمحاكمة واجبروا على مغادرة اوطانهم, يستمرون فى الشعور بالذنب , اذ انهم يواصلون التساؤل فى داخل انفسهم: لماذا انا هنا ولست هنالك؟ 
لقد ظل السودان يعيش حالة من الحروب الاهلية لاكثر من نصف قرن الان. حيث ان الصراع فى دارفور الذى بدأ فى 2002 لا زال مستمرا ,  بينما حروب جديدة بدأت فى منطقتين اخريتين فى كل من جبال النوبة والنيل الازرق. لقد تصاعدت الصراعات الاثنية فى البلاد حتى وصلت الى مرحلة الابادة الجماعية تحت حكم النظام الاسلامى العسكرى الحالى, كما ان الرئيس السودانى كان قد اتهم بارتكاب جرائم حرب وابادة جماعية من قبل المحكمة الجنائية الدولية فى العامين 2009-2010. ولكن دون مجهودات المدافعين والنشطاء المحليين, فان الادلة وقصص الاف الضحايا كان سيتم دفنها من قبل القوات الحكومية. الا ان هؤلاء النساء والرجال الشجعان دفعوا اغلى الاثمان من امنهم الشخصى ورفاهيتهم وصحتهم فى سبيل تحقيق العدالة.
ان الالتزام والشغف لدى المدافعين المحليين هو امر مثير للاعجاب, ولكن المشكلة الاساسية تكمن فى عدم قدرتهم على التوقف عن العمل عندما يكونون فى امس الحاجة لذلك. فمعظمنا يشعر بانه لا يجب ان يتوقف , واننا لا نستطيع التخلى عن نضال شعوبنا. وفوق كل ذلك, فان ندرة التدريبات على  ” الامن الكلى او الشامل” وقلة الموارد على المستوي المحلى تزيد من المخاطر التى يواجهها المدافعون فى الاصابة بانواع مختلفة من المشكلات الصحية والعقلية. كما ان امكانية  الحصول على الدعم النفسى فى المستويات القاعدية محدود للغاية , خاصة بالنسبة للاشخاص المهددين بالاصابة بمتلازمة مابعد الصدمة (PSTD). فى بعض الاحيان فان هؤلاء المدافعين يضطرون الى الانتقال الى خارج اوطانهم حتى يجدوا العلاج النفسى .
بالنسبة للناشطين فى المستويات القاعدية , فان التضامن يظل فى قلب استراتيجاياتهم للتواؤم. حيث ان احدى الناشطات , والتى كانت ضحية للاغتصاب فى داخل معتقلات الامن بسبب نشاطها, كانت قد قررت ان تتشارك الدعم المخصص لتغيير مكان اقامتها مع زميلتها لكى تنتقل هى الاخرى. كنا تمكنا من ايجاد المساعدة للناشطة ضحية الاغتصاب لكى تنتقل الى مكان امن وتحصل على الدعم النفسى والطبى, ولكنها قالت ” زميلتى الاخرى فى حالة خطر ايضا, وانا لن اتركها خلفى .” لقد اتخذت هذا القرار لان زميلتها كانت تعيش فى منطقة نائية داخل جبال النوبة , ولم يكن لديها وسيلة اتصال بالانترنت لكى تتقدم بطلب للمساعدة بنفسها او لكى تتواصل مع شبكات الحماية. فمع ندرة الموارد, يصعب  الوصول الى دعم المتخصصين , لذا فان  دعم  الزملاء يصبح الاكثر كفاءة – وفى احيان كثيرة الدعم الوحيد المتوفر- ليشكل شبكة الامان والحماية للصحة العقلية للمدافعين المحليين.
ولكننا نعلم ببساطة ان هذا الدعم ليس كافيا. ان المانحين الدوليين وشبكات دعم المدافعين عن حقوق الانسان يحتاجون الى اتخاذ تدابير تأخذ فى اعتبارها التحديات المعقدة التى يواجهها المدافعون المحليون. والاكثر اهمية, ان على المنظمات غير الحكومية سواءا المحلية او الدولية التى توظف النشطاء فى المجتمعات المحلية , ان يدركوا اوضاع النشطاء المحليين الفريدة من نوعها , وعلى المنظمات ان تطور استراتيجيات تستوعب نقاط ضعفهم. عندما تتمكن المنظمات من التعامل مع هذه القضية بشكل فعال, حينها فقط ستتمكن من التأكد من امان ورفاهية واستقرار عمل المدافعين الذين هم ضحايا فى ذات الوقت.


Tuesday, February 28, 2017

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟



بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو أمبيكي استعادة مبادراتها في التعامل مع الأزمات السودانية المتعددة، بعد إنقطاع من الإجتماعات المباشرة إستمر لنحو ستة أشهر. حيث أعلن رئيس الآلية في الأول من فبراير 2017 عن نيته زيارة الخرطوم خلال فبراير الجاري، سبقها لقاءات وتصريحات من موظفيّ الآلية والإتحاد الافريقي حول الإستعداد لإستعادة عمليات التفاوض والحوار وفق ما جاء خارطة الطريق المقدمة من قبل الآلية الافريقية رفيعة المستوى.
كانت الآلية الافريقية قد طرحت في مارس 2016، خارطة طريق لحل الأزمات السودانية، وقعت عليها منفردة الحكومة السودانية اولاً، وتبع ذلك موافقة قوى نداء السودان المعارضة عليها في يوليو من نفس العام. الا ان أولى الخطوات التي طرحتها خارطة الطريق انهارت بعد أقل من أسبوع واحد من انطلاقها على إثر تعنت الحكومة السودانية في التوصل الي اتفاق وقف عدائيات بغرض توصيل المساعدات الإنسانية. ذلك التعنت في بداية العملية قتل عملياً آفاق الوصول الي حل سلمي عبر بوابة وقف الحرب في المناطق الثلاثة( دارفور، النيل الازرق وجنوب كردفان/ جبال النوبة). سوء النوايا الذي بدأ من الحزب الحاكم تجاه خارطة الطريق برفضه الوصول لإتقاف وقف العدائيات وإيصال الغوث الإنساني، تلته حزمة من الإجراءات والخطوات هدفت بصورة غير مباشرة الى التخلي عن وقتل مبادرة الآلية الافريقية- خارطة الطريق.
شملت الإجراءات والخطوات التي اعلن حزب المؤتمر الحاكم عبرها تنصله عن خارطة الطريق وإنتهاك موادها الرئيسية مايلي: 1) إصراره على المضي قدماً في في حواره الوطني المنعزل- حوار الوثبة- باعلان ختام الحوار وتوصياته المختلف حولها حتي مع القوى السياسية المتوالية مع النظام، 2) حله للجنة 7+7 المناط بها المشاركة في الإجتماع التحضيري مع القوى المعارضة، والاستعاضة عنها بتعيين لجنة جديدة تحمل ملامح شركاء الحزب الحاكم في الحكومة القادمة، 3) بداية المشورات والإستعداد في تشكيل حكومة جديدة بمن حضر فقط من القوى من حلفاء المؤتمر الوطني، 4) طرح وإجازة تعديلات دستورية جوهرية تعبر عن مصالح الحزب الحاكم وحلفائه بمعزل عن القوى السياسية والمدنية السودانية الحقيقية، و5) بداية عملية صناعة الدستور الدائم للبلاد بتكوين لجنة للقيام بذلك دون المرور والإلتزام بالمعايير المتعارف عليها عالمياً في وضع الدساتير، هذا فضلاً عن الإقصاء والعزل التام للقوى الوطنية وذلك بالقفز على شروط البيئة المطلوبة لهكذا عملية وعدم الإتفاق معها على المبادئ والترتيبات الدستورية الجديدة.
لا تواجه الآلية الافريقية رفيعة المستوى والرئيس ثابو إمبيكي فقط تنصل حزب المؤتمر الوطني الحاكم من خارطة الطريق عبر تلك الإجراءات والخطوات التي ذهب فيها، بل تواجه الآلية معضلة استيعاب والتعامل مع جملة المستجدات والوقائع الجديدة في المشهد السوداني، حتى يتسني للآلية مخاطبة والتعامل معها، سواء عبر خارطة طريق (معدلة) أو عبر أي مقترحات أخرى. وتشمل المستجدات والوقائع الجديدة على سبيل المثال وليس الحصر:
·         العصيان المدني العريض الذي شهده السودان مؤخراً، والذي شكل استفتاء جماهيري لرفض سياسات الحزب الحاكم في السودان.
·         العنف المتزايد للنظام وتدفق النازحين المستمر في دارفور خلال الحملة العسكرية الجارية جبل مرة.
·         استمرار الحملات الحربية في جبال النوبة/جنوب كردفان والنيل الأزرق، وتزايد ادوار المليشيات الحكومية فيها.
·         تكرار اعلان وقف اطلاق النار من قبل طرف واحد دون وجود أليات للمراقبة مما جعله مجرد إعلان مسرحي في حين تتواصل العمليات العسكرية.
·         تصاعد المواقف الرافضة لمنهج وتفاعل الآلية الإفريقية من قبل عدد من القوى السياسية والمدنية المؤثرة والهامة (مثل قوى الاجماع الوطني وحركة تحرير السودان -عبدالواحد وتنظيمات اللاجئين والنازحين)، مما يضع تجاهلها من قبل الآلية مقوضاً وعقبة حقيقية أمام أي حلول تتوصل لها في المستقبل.
زاد كذلك من التحديات والتعقيدات للأزمة السودانية التي تتطلب تعامل أو عدم تعامل الآلية الافريقية معها، مقترح الإدارة الامريكية السابقة، في نهاية العام الماضي والقائل بتولي الولايات المتحدة مهمة توصيل مساعدات إنسانية (محدودة) عبر وكالة المساعدات الامريكية للمدنيين في المناطق خارج سيطرة الحكومة، وذلك بعد تخليصها وفحصها أمنياً من الحكومة السودانية، الأمر الذي يعطي النظام الحاكم القدرة الفعلية على التحكم في إيصال المساعدات واستخدام ذلك في الضغط السياسي. وحدد المقترح الامريكي الذي تم طرحه عبر ورقة مختصرة -لم تشمل الإجراءات العملية لتنفيذه- المساعدات الإنسانية المعنية (بالأدوية والامدادات الطبية والأجهزة الطبية). ولا يختلف هذا المقترح كثيراً عن طرح الحكومة السودانية الذي يصر على احتكار توصيل المساعدات عبر الخرطوم، دون الحديث عن أي مسارات خارجية للإجلاء الطبي او توصيل المساعدات الإنسانية الأخرى مثل (الغذاء، والمعينات التعليمية والبذور والمعينات الزراعية وغيرها من الاحتياجات الإنسانية). كما يشكل المقترح الامريكي تراجعاً من الموقف السابق الذي وافقت عليه الحكومة السودان في مفاوضاتها برعاية الآلية الافريقية والقائل بتوصيل المساعدات الإنسانية من دول الجوار بشرط فحصها في كادقلي والدمازين. أيضاً، لم يتحدث المقترح عن النازحين المتأثرين بالحرب في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة والذين لا تزال الحكومة السودانية تمنع تسجيلهم في معسكرات للنزوح او توصيل المساعدات لهم. شاب طرح المقترح الامريكي الكثير من الاستعجال والغموض، حيث بدى واضحاً استعجال الإدارة الامريكية المنصرفة بالضغط على أطراف المعارضة للموافقة عليه للحصول على نصر سياسي داخلي للإدارة الامريكية قبل مغادرتها للبيت الأبيض، وذلك في سياق تثبيت مشروعية قرارها بتجميد العقوبات الاقتصادية المفروضة على النظام السوداني، ومن ثم موافقة المعارضة على فك العزلة ومكافأة الحزب الحاكم، رغم استمرار جرائمه وحروبه وفساده وقمعه المستمر للحريات.
المقترح الامريكي، بتعقيداته المتعددة، ومناقشته خارج العملية السياسية التي تشرف عليها الوساطة الافريقية، يضيف تعقيداً جديداً للأزمات السودانية، وكيفية تعامل الآلية معه، وعما اذا كانت ستتبنى هذا المقترح ام تعمل على طرح مقترح جديد لتحريك الساكن في عملها، وعما اذا كان للآلية الافريقية مقترحات جديدة للتشاور الكافي والمتساوى مع كافة اطراف الازمة السودانية، قبل طرحها بصورة رسمية في طاولات التفاوض والحوار لتجنب رفضها وبالتالي تعطيل العملية السلمية لامد طويل، كما حدث ويحدث الأن في طرح خارطة طريق الوساطة الافريقية.
ما ورد أعلاه من خطوات وإجراءات الحزب الحاكم في مساره لقتل أو التنصل عن خارطة الطريق، والحقائق والمستجدات الجديدة في المشهد السوداني، تضع كلها الآلية الافريقية رفيعة المستوى والرئيس ثابو إمبيكي أمام حزمة من التحديات الكبيرة والفرص الممكنة في نفس الوقت، وذلك من أجل تطوير اداءها وقدراتها على التواصل مع كافة الفرقاء السودانيين للوصول الي السلام العادل والتغيير الديمقراطي. حيث تمشل هذه التحديات والفرص:
أولاً: البحث عن سبل أكثر فعالية لإلزام الحكومة السودانية بإلتزاماتها تجاه مقررات مجلس السلم والامن الافريقي رقم (456) و (539)، خاصة فيما يتعلق  بشروط بناء الثقة وتهيئة البيئة الملائمة. فتنفيذ ما ورد في هذه المقرارات من خطوات من شانه وضع الأساس المطلوب لعملية سياسية سلمية توقف الحرب وتتيح الحريات وتطلق حوار قومي شامل وحقيقي.
ثانياً: على الآلية الافريقية التركيز على ضرورة تنسيق مسار الحل السياسي ومسار إيقاف الحرب، من أجل الوصول الى حل شامل ودائم للمشكلة السودانية.  فتجارب الحلول السابقة في السودان فشلت بشكل أساسي بسبب مقايضة تحقيق السلام والتضحية بالتحول الديمقراطي، باللإضافة الى تجزئة القضايا ومحاولة معالجة مظاهر الأزمات بدلاً عن جذورها الحقيقية.
ثالثاً: بعد سنوات طويلة من تعاملها مع الأزمات السودانية دون إختراقات رئيسية تذكر، بات من الضرورة تطوير تركيبة ومناهج الآلية الافريقية في التعامل  مع الأزمات السودانية حتى تصبح أكثر فعالية وملاءمة لما تتعامل معه من قضايا. ويمكن في هذا الخصوص دعوة الآلية الافريقية لتوسعة هياكلها وهيئاتها الداخلية، والاستعانة بشكل منظم وحقيقي، ضمن هيئاتها الرسمية والمؤسسية، بالخبراء والأكاديميين السودانيين، إضافة للمجتمع المدني غير الحكومي، في قلب العمل الاستشاري والتنفيذي اليومي، وذلك حتي تغذي الآلية أطروحاتها بنبض الحياة اليومي في السودان وحتي تجد مقترحاتها للحلول قبولاً وملاءمة أوسع للسياق السوداني ولمختلف القوى السياسية والمدنية السودانية.
رابعاً: على الآلية الافريقية توسيع دائرة شركائها الدوليين والإقليميين، والاستعانة بصورة رسمية بقدرات الأطراف المهتمة بالشأن السوداني من البلدان  المجاورة  والبلدان الأوربية ذات المصالح والاوزان، هذا إضافة الى تمثيل الهيئات الإقليمية والمنظمات الدولية مثل الاتحاد الأوربي والترويكا والأمم المتحدة في عمل الآلية بصورة ملموسة وواضحة لما لها من مقدرات في ممارسة الضغوط.
خامساً: على الآلية الافريقية التاكيد على تمثيلها القاعدي عبر وجود موظفين وممثلين دائمين لها في الخرطوم، ومع اللاجئين والنازحين، وفي العواصم التي  تتواجد بها المعارضة السودانية بالخارج. فقد كان أحد أكبر أسباب فقدان الثقة في الآلية من قبل القوى السياسية والمدنية المعارضة، بصورة خاصة، هو موسمية الزيارات واللقاءات بين الآلية وهذه القوى المؤثرة في السودان. فالوجود والتمثيل المستقر للآلية الافريقية قاعدياً يتيح لها كذلك ملامسة والتفاعل مع الواقع السياسي والاجتماعي للأزمات السودانية.
ختاماً، على الآلية الإفريقية رفيعة المستوى ان تتبنى منهجاً واضحاً في التعامل مع كافة أطراف الأزمة على قدم المساواة، وأن تسعى للتواصل وإدراج تحفضات القوى الأخرى علي عمل الآلية ضمن برامج عملها وأنشطتها، كما عليها إدراك ان الإنفتاح الذي يبدو بصورة أوسع في التعامل مع حزب المؤتمر الحاكم باعتباره حكومة الأمر الواقع، مقارنة بالتعامل مع بقية الأطراف المعارضة، يشكل ويصبغ على صورتها الكثير من السلبيات بوضع الآلية والرئيس إمبيكي في مقام الصامت أو الموافق على الجرائم المنظمة والمستمرة التي يرتكابها الحزب الحاكم على مدى السبعة وعشرين الماضية منذ إنقلابه على السلطة في 1989.


Thursday, February 9, 2017

مجلس الأمن يجدد بالإجماع ولاية فريق الخبراء المعني بلجنة العقوبات على السودان





تبنى مجلس الأمن الدولي أمس الأربعاء بالإجماع القرار رقم 2340، الذي مدد فيه ولاية فريق الخبراء المعني بتنفيذ العقوبات على النظام السودانى – الذي عين عملا بالقرار 1591 لعام 2005- لعام آخر. ودعا القرار حكومة السودان إلى ايقاف نقل الأسلحة الصغيرة وغير الشرعية إلى دارفور. كما أعرب أعضاء المجلس عن قلقهم إزاء عدم تمكن الفريق من الوصول إلى دارفور منذ بداية العام الماضي، وأكدوا حق فريق الخبراء فى الوصول إلى جميع مناطق دارفور حتى يتسنى له أداء ولايته. وطالبوا الحكومة بتسهيل تأشيرات دخول الفريق ، وإلغاء تصريح السفر لدارفور لأعضاء الفريق.
وأعرب المجلس عن قلقه بان قرارات حظر السفر وتجميد الأموال المفروضة على بعض المتورطين لم يتم تنفيذها من قبل بعض الدول الأعضاء ، وطالب بتفعيل هذه القرارات فوراً والتأكد من إلتزام الدول الأعضاء بها وتنفيذها . وطالب المجلس فريق الخبراء بمراقبة الدول التي لا تلتزم بالعقوبات وتقديم تقرير عنها للمجلس.
كما أعرب المجلس عن قلقه من توريد ونقل أسلحة صغيرة بواسطة حكومة السودان إلى دارفور ، ما يشكل إجراءا ضد الحظر الذي يفرضه المجلس في دارفور.
وأكد المجلس بان جهات أمنية وأفراد يتبعون للحكومة السودانية وبعض الجماعات المسلحة الأخرى لا تزال تواصل إستهداف المدنيين وتعيق عمليات إحلال السلام في الاقليم ، ملوحا بعقوبات ستصدر تجاههم وفقاً للقرار (1591) – 2005.
وأكد القرار بأن الوضع في السودان لا يزال يشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين ، مشيرا إلى الانتهاكات التي ارتكبت ضد السكان المدنيين في دارفور وكذلك الهجمات التي تعرضت لها البعثة المختلطة.
ودعا المجلس حكومة السودان الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك رفع حالة الطوارئ والسماح بحرية التعبير وبذل جهود فعالة لضمان المساءلة عن الانتهاكات والتجاوزات في حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، أيا كان مرتكبوها.


Thursday, January 5, 2017

مليشيات نظام البشير والحرب بالوكالة


عُرف عن نظام المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، على مدى سنوات حكمه، اعتماده الواسع على المليشيات من خارج القوات المسلحة السودانية في إدارة حروبه المتعددة في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان/ جبال النوبة. حيث يعمل الحزب الحاكم على استغلال التعقيدات والتباينات القبلية القائمة في عملية تكوين المليشيات وتجنيد المقاتلين لها، مستنداً على تسييس وأدلجة العلاقات الإثنية، والاغراءات المادية في التجنيد لصفوفها. وتزايد اعتماد النظام على المليشيات القبلية وعمل على توليدها وتسليحها ودعمها، ليس فقط في داخل السودان، بل وفي دول الجوار لخدمة جملة من الأهداف المتنوعة حسب الجغرافيا والحالة. وجاء الاعتماد على المليشيات في تحقيق الأجندة الحربية لجملة من الأسباب، منها تناقص الانتماء والولاء للمؤتمر الوطني بين افراد القوات المسلحة السودانية، والتململ داخل أوساط الجنود والضباط النظاميين من الجرائم المرتكبة وممارسات المليشيات في مناطق الحروب المختلفة، هذا بالإضافة الي تطاول أمد النزاعات لفترات طويلة دون وجود إرادة سياسية واضحة من قبل الحكومة السودانية للتوصل الي حل سياسي شامل يوقف هذه الحروب.
في هذه السلسلة (مليشيات نظام البشير والحرب بالوكالة) نتتبع أدوار المليشيات في حروب السودان المتعددة، واستعراض التعقيدات السياسية والأمنية والاجتماعية نتيجة نشأتها وأنشطتها.
يختص الجزء الأول من هذه السلسلة باستعراض دور المليشيات الاجنبية، او المستوردة، من مقاطعة المابان بدولة جنوب السودان، التي انشأتها ودعمتها حكومة الخرطوم للقتال بالوكالة ضمن حربها القائمة في اقليم النيل الأزرق. وكما يتطرق هذا الجزء من سلسلة حروب الوكالة الي لمحة وتذكير بدور المليشيات المحلية او الداخلية ممن وظفهم النظام الحاكم في حربه.
تجييش المليشيات المحلية في حرب النيل الأزرق:
فشلت خطة الحزب الحاكم في تعبئة وتجييش المليشيات المحلية من داخل الإقليم. حيث بنىّ المؤتمر الوطني تجربته السابقة بمحاولة اللعب على وتر التعدد الذي يمتاز به النيل الأزرق، باستغلال التباينات الاثنية والثقافية لتحقيق أهدافه السياسية والعسكرية والتلاعب على وتمزيق أواصر السلام الاجتماعي. وبالرغم من توفير الأجهزة الامنية لموارد هائلة لهذا المشروع التدميري للسلم الاجتماعي القائم، إلا ان تلك الخطة لم تفلح سوى في تفريخ مجموعات محدودة من المنبوذين مجتمعياً، بلا قدرات عسكرية، أقرب ما يكونوا لتكوينات العصابات، تخصصت في السرقة والنهب والاغتصاب. وجاء فشل النظام الحاكم في توليد المليشيات المحلية في النيل الأزرق بسبب علاقات المواطنين التي نمت عبر سنوات طويلة من التعايش المشترك، تطورت خلالها حزم من التداخلات الاجتماعية والثقافية والمصالح الاقتصادية المشتركة، مثلت كلها سداً قوياً أمام مصالح ورغبات الحزب الحاكم في التخريب الاجتماعي، هذا اضافة الى المواقف الشجاعة من قيادات الادارة الاهلية، والتي رفضت الخضوع لمشروع التعبئة والتجييش القبلي، بل وقاومته صراحة من داخل اجتماعات الحزب الحاكم وداخل مقار الاجهزة الامنية بالإقليم.
بعد الفشل في توليد المليشيات المحلية داخل النيل الأزرق، لجأ النظام في منتصف العام الماضي، مايو- يونيو 2016، إلى استجلاب ميلشياته النشطة من مناطق السودان الأخرى -استيراد مليشيات قوات الدعم السريع ذات المنشأ والتكوين في منطقة دارفور- الي إقليم النيل الازرق. وستفرد المجموعة السودانية  للديمقراطية أولاً ضمن هذه السلسلة (مليشيات نظام البشير والحرب بالوكالة) جزء خاص عن مليشيات قوات الدعم السريع. جاءت محاولة إقحام مليشيات الدعم السريع، المعروفة باسم قائدها حميدتي، في حرب النيل الأزرق بهدف إنتاج نموذج جديد يستنسخ تجربة دارفور في الإبادات الجماعية، لكي تخوض الحروب بالوكالة وتسهم في تصفية المجموعات السكانية الاصلية وطردها خارج الإقليم، ومن ثم المصادرة والاستحواذ على الأراضي والموارد الطبيعية الغنية بالنيل الأزرق.
وبالفعل، ومنذ وصول مليشيات الدعم السريع الي النيل الأزرق في نهاية شهر مايو 2016، بدأت في ممارسة سلوكها الإجرامي ضد المواطنين حتى قبل مشاركتها في العمليات العسكرية. حيث قامت بالتعدي علي المدنيين، وممارسة الفوضى الشاملة في مدن وقرى الإقليم من نهب الأسواق والسرقة والتحرش  بالنساء والاغتصاب وإرهاب المواطنين ونعتهم بالسباب والشتيمة العنصرية لإذلالهم وإهانتهم. وعلى الرغم من أن استيراد مليشيات الدعم السريع جاء لتعزيز حملة النظام الحاكم الحربية في النيل الأزرق، ولفك عزلته الناتجة عن فشله في توليد مليشيات محلية من الإقليم كما ورد أعلاه، إلا ان تجربة الدعم السريع قد فشلت في تحقيق أهداف النظام الاستراتيجية، مما عجل برحيلها من النيل الأزرق بعد انتصار عسكري وحيد على قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان شمال، المسيطرة على مساحات معتبرة من أراضي الإقليم.
هنالك عدة أسباب لفشل مليشيات حميدتي في النيل الأزرق وسحبها السريع من المنطقة: من أهمها الأزمة المتفجرة بين القوات النظامية والجيش السوداني من ناحية ومليشيات قوات الدعم السريع، بسبب تباهيها بتحقيق نصر عسكري، في الوقت الذي فشلت فيه القوات المسلحة الرسمية في تحقيق أي انتصار لعدة أعوام، في إشارة وضح منها الإساءة للقوات المسلحة وتوصيفها بالجبن والتشكيك في كفاءتها وقدراتها على القتال. والعامل الآخر القوى في فشل وسحب الدعم السريع يعود إلى غضب المواطنين وسخطهم على ممارسات هذه المليشيات، ومطالبة الأحزاب السياسية الاخرى وقادة المجتمع المدني بالولاية بسحبها. وقد تلخصت هذه المواقف في الرفض المباشر لقيادات الإدارة الاهلية لوجود الدعم السريع بالنيل الأزرق خلال اجتماعها بالوالي حسين يس بسبب الجرائم والفوضى التي عاستها في مدن وقرى المنطقة ضد المدنيين الأبرياء، واستندت القيادات الاهلية في رفضها لوجود المليشيات على تجربة ولاية شمال كردفان وقيام واليها  احمد محمد هارون بطرد مليشيات الدعم السريع من حدود الولاية في فبراير 2014 بسبب الجرائم التي اقترفتها ضد المواطنين، مما  مثل سابقة قريبة يمكن تكرارها.
استيراد الحرب وتصدير المليشيات في أزمة النيل الأزرق
مقاطعة المابان- جنوب السودان- والحرب في النيل الأزرق:

تبلغ مساحة مقاطعة المابان حوالي 11,817 كلم مربع، وتقع في الحدود الشمالية لولاية شرق النيل (أعالي النيل سابقاً) بدولة جنوب السودان، وعلى الحدود مع مناطق الحرب الاهلية في ولاية النيل الأزرق في السودان.
 منذ اندلاع الحرب الاهلية في إقليميّ النيل الأزرق وجنوب كردفان/ جبال النوبة في العام 2011، شهدت مقاطعة المابان تدفقاً كبيراً للاجئين السودانيين من ولاية النيل الازرق المجاورة، هرباً من المعارك العسكرية وهجمات القصف الجوي العشوائي التي ظلت تشنها قوات الجيش السوداني على مناطق النازحين في النيل الأزرق. كما ساهم الحظر الذي تفرضه الحكومة السودانية على وصول المساعدات الإنسانية لمناطق النازحين الي دفع اعداد كبيرة منهم للجوء الي دول الجوار.
رحبت السلطات المحلية بمقاطعة المابان حينها بتدفق اللاجئين الي المنطقة، بل ونافست مناطق أخرى بدولة جنوب السودان، قريبة من الحدود مع النيل الأزرق على استضافة اللاجئين. وتم تقديم دفوعات مقنعة لإقامة معسكرات اللجوء بالمابان نسبة لعوامل التداخل الاجتماعي- الثقافي على الحدود بين المابان والنيل الأزرق، وضعف الكثافة السكانية في المقاطعة (15 نسمة لكل كلم مربع)، بالإضافة الى الإسهام المتوقع من قدوم النازحين كلاجئين الي المابان على النشاط الاقتصادي والتنموي المصاحب لإنشاء المعسكرات، وفي تنمية المنطقة عموماً.
وبالفعل تم إنشاء اربعة معسكرات للاجئين الفارين من الحرب بالنيل الأزرق في المقاطعة. ووفقاً لتقديرات المفوضية السامية لشئون اللاجئين تضم المقاطعة حالياً حوالي (136,741) من اللاجئين السودانيين، حيث تتغير الإحصائيات زيادة ونقصان وفقاً للأوضاع الأمنية بالمعسكرات. وقد تم توزيع اللاجئين على أربعة معسكرات رئيسية، تشمل: معسكر دورو (52,741 نسمة)، معسكر يوسف باتل (41,280 نسمة)، معسكر كايا (جمام سابقا): (25,000 نسمة) ومعسكر قندراسا: (17,584 نسمة).
هجوم جديد على معسكرات اللاجئين:
قبل أيام فقط من انطلاقة العام الجديد، 2017، شنت مليشيات قبلية من جنوب السودان بمقاطعة المابان، في ولاية شرق النيل (أعالي النيل سابقاً) هجوماً مروعاً على معسكر دورو للاجئين الفارين من الحرب في إقليم النيل الأزرق بالسودان، في 25 ديسمبر 2016.  وأدى الهجوم الذي استخدمت فيه مختلف انواع الأسلحة، النارية والبيضاء، الي مقتل سبعين من اللاجئين من سكان معسكر دورو، ضمنهم عدد من الاطفال، حيث تم دفن الضحايا في مقابر جماعية ومثل بجثث عدد منهم(ن)، وفقدان نحو خمسين من اللاجئين لا يعرف مكانهم حتى الان، هذا بالإضافة الى مقتل عدد من المواطنين المحليين من سكان مقاطعة المابان. كما أدى الهجوم على معسكر دورو إلى دفع أكثر من خمسة عشر ألف من اللاجئين الي مغادرة معسكرات اللجوء والعودة كنازحين من جديد الي مناطق الحرب المشتعلة في النيل الأزرق، ليجدوا أنفسهم في وضع معاناة مستمرة بحثا عن الامان والماء والغذاء والدواء والمأوى، وتحت ظل مخاطر القصف الجوي العشوائي الذي يشنه طيران الحكومة السودانية.
هجوم المليشيات من مقاطعة المابان في جنوب السودان على معسكرات اللاجئين من ضحايا الحرب بالنيل الازرق يمثل امتدادا للجرائم التي ظل يواجهها ضحايا الحرب بالنيل الأزرق على مدى أكثر من خمسة سنوات، بما فيها التصفيات الجسدية، والاختفاءات القسرية، والتعذيب الممنهج، وتدمير ونهب الممتلكات الشخصية والعامة، إضافة الى التشريد والاقتلاع من الجذور لعشرات الآلاف من المواطنين الأبرياء.

مليشيات جنوب سودانية أم مليشيات البشير ؟
بذات الطريقة التي عمل بها حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الخرطوم في سياق حملاته الحربية بتوليد مليشيات محلية، و استيراد أخرى من خارج الإقليم مثل مليشيات الدعم السريع ، لجأ الحزب الحاكم الى منهج ثالث في توظيف المليشيات القبلية في حروبه، هذه المرة عبر المليشيات الأجنبية من دولة جنوب  السودان، مستهدفاً بصورة خاصة اللاجئين السودانيين من ضحايا الحرب الأهلية بالنيل الأزرق، بالإضافة الى اقحام هذه المليشيات في العمليات العسكرية داخل حدود النيل الأزرق دعما للقوات الحكومية السودانية في حربها ضد الجيش الشعبي لتحرير السودان شمال.
ظل اللاجئون السودانيون في مقاطعة المابان يعانون باستمرار من الأوضاع الأمنية غير المستقرة على مدى سنوات لجوئهم بسبب الهجمات والعنف المتواتر للمليشيات المكونة من مقاطعة المابان، والمعروفة بمليشيات أبطال المابان ومليشيات قوات دفاع المابان (الجيش الأبيض)، والتي جاء تكوينها وتدريبها وتواصل دعمها العسكري عبر الدوائر الأمنية والحزبية للنظام الحاكم في السودان، توسيعاً لدائرة حروب الوكالة في النيل الأزرق وغيرها من مناطق الحرب في السودان.
ما هي مليشيات أبطال المابان؟
في العام 2011، وبعد استقلال جنوب السودان، قام جهاز الاستخبارات العسكرية في الجيش السوداني باختيار الرقيب في الفرقة 23 مشاة بالقوات المسلحة السودانية حينها كمال لوما، والذي تنحدر اصوله الإثنية من منطقة المابان، لتتم ترقيته الي رتبة العميد العسكرية، وتكليفه بتكوين مليشيا أبطال المابان، وكما تم إنشاء عدد من المعسكرات التدريبية لقواته داخل ولاية النيل الأزرق.
جاء تكوين وبداية دعم مليشيات أبطال المابان تحت الإشراف المباشر للفريق الركن بالجيش السوداني يحي محمد خير، والذي كان حينها قائد الفرقة الرابعة مشاة بالدمازين، والحاكم العسكري المعين للنيل الأزرق بعد نشوب الحرب في سبتمبر 2011، والذي تم تعينه لاحقاً وزيراً للدولة بوزارة الدفاع. تم انشاء اول معسكرلمليشيات أبطال المابان بالقرب من مدينة بوط عاصمة محلية التضامن بولاية النيل الأزرق، وتبع ذلك انشاء معسكرات تدريبية اخرى بالقرب من مشروع التييبلاب الزراعي، ومعسكر للقيادة في مدينة الدمازين عاصمة النيل الأزرق في السودان. وبالفعل تم تدشين مليشيات أبطال المابان في احتفال معلن في ساحة المحلج بمدينة الدمازين، حضرته عدد من قيادات الجيش السوداني، على راسهم اللواء -حينها- يحي محمد خير، حاكم ولاية النيل الأزرق.
ومنذ تأسيسها، ظلت مليشيات أبطال المابان تتلقى تدريبها وتسليحها العسكري الكامل، وتموينها بصورة مباشرة عبر قيادة الجيش السوداني في عاصمة النيل الأزرق الدمازين. وتعتمد هذه المليشيات على التجنيد القسري بشكل موسمي من القبائل الحدودية بين السودان وجنوب السودان، الا ان غالبية المقاتلين الملتزمين بها ينحدرون من المابان، حيث يعود ذلك للنفوذ القبلي الذي يتمتع به قائدها العميد كمال لوما، والذي يشكل مع شقيقه عوض لوما والهادي إبراهيم قيادة مليشيات أبطال المابان.
أما عن الأهداف التي تنشط عسكرياً من اجلها مليشيات أبطال المابان، فهي متحركة ومتغيرة وفقاً لرغبات وأهداف حزب المؤتمر الوطني الحاكم. فهي تزعم مرةً بانها تهدف الي تحرير ارض المابان من الوجود الأجنبي، مستهدفة في ذلك مجتمعات اللاجئين السودانيين بالمقاطعة. وتارة أخرى تعمل ضمن أجندة الحزب الحاكم في الخرطوم على خلق حالة من عدم الاستقرار والضغط على دولة جنوب السودان بإثارة النزاعات القبلية في المنطقة خدمة لمصالح الخرطوم في الصراع بين الدولتين. ومنذ إندلاع الحرب في النيل الأزرق بدأت مليشيات أبطال المابان في العمل المباشر كمليشيات مقاتلة في حرب الوكالة لصالح النظام السوداني، حيث ظلت تخوض المعارك العسكرية لأكثر من خمسة سنوات هي عمر الحرب في النيل الأزرق، وشاركت وقادت العديد من المعارك في بوط والروم ومفو، أخرها هجومها على منطقة الروم في يناير 2017، وقد ظل القصف الجوي للقوات السودانية مصاحباً لمعظم عملياتها القتالية داخل النيل الأزرق.
مليشيات قوات دفاع المابان (الجيش الأبيض):
تكونت مليشيات قوات دفاع المابان، والمعروفة في المقاطعة بالجيش الأبيض، مع بداية إندلاع الحرب الأهلية داخل دولة جنوب السودان في ديسمبر 2013. وظلت تتنقل في تحالفاتها وأهدافها داعمة مرة للجيش الرسمي للدولة في جنوب السودان، ومساندة في مرات أخرى لقوات وأهداف الحركة الشعبية المعارضة في الجنوب بقيادة الدكتور رياك مشار. أما هدفها الثابت منذ تأسيسها، والذي تشترك فيه مع مليشيات أبطال المابان بقيادة كمال لوما فهو زعمها العمل من أجل تحرير ارض المابان من الوجود الأجنبي، مستفزةً للقلاقل ومثيرة للنزاعات بين مجتمع المابان ومجتمع اللاجئين، ومستهدفة لمجتمعات اللاجئين السودانيين من النيل الأزرق كهدف رئيسي. كما تعتبر مليشيات قوات دفاع المابان- الجيش الأبيض- امتدادا عضوياً لمليشيات كمال لوما. وتشترك الميليشيتان في تبنيهما لنفس الشعارات والاهداف العنصرية.  وتضم مليشيات قوات الدفاع المابان (الجيش الأبيض) عدد كبير من المقاتلين الذين كانوا في صفوف مليشيا كمال لوما. وامتدت الجسور والصلات التنظيمية والتنسيق المحكم بين الميليشيتين، يجمعهما العداء والهجوم المتكرر على معسكرات اللاجئين السودانيين، وتبادل المقاتلين بشكل منظم. وقد لعبت مليشيات الجيش الأبيض -قوات دفاع المابان- الدور الرئيسي والمنفذ لجملة من الهجمات والاعتداءات على اللاجئين وعلى معسكراتهم في المقاطعة.
 تعود الهجمات والاعتداءات المنظمة على معسكرات اللاجئين من قبل قوات دفاع المابان الي اقتحام معسكر يوسف باتل في مارس و أغسطس 2014، تلاه هجوم مسلح أخر على معسكر قندراسا في فبراير 2015 راح ضحيته عدد من اللاجئين ما بين القتلى والجرحى، هذا خلاف الاعتداءات اليومية والنهب الذي طال اللاجئين في معسكرات كايا ودورو وفي سوق مدينة البونج، التي تمثل عاصمة مقاطعة المابان. وقد أدت هذه الهجمات مجتمعة الي مقتل عشرات اللاجئين من سكان المعسكرات وعدد من المواطنين من المابان. كما أدت هذه الهجمات المتكررة بشكل مباشر الي هروب وإعادة تشريد أكثر من 40,000 من اللاجئين وعودتهم الي مناطق الحرب داخل النيل الأزرق، فيما مضى من سنوات، معرضين أنفسهم لمخاطر القصف الجوي العشوائي الذي تشنه الحكومة السودانية على مناطق النزوح الداخلي الواقعة تحت سيطرة قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال.
أما أحدث وأكبر هجوم قامت به قوات دفاع المابان- الجيش الأبيض- هو ما ورد أعلاه في هذا التقرير من هجوم مروع في الأسبوع الأخير من العام المنصرم، 2016، وفي صبيحة الاحتفال بأعياد الميلاد (25 ديسمبر). حيث قامت هذه المليشيات بشن هجوم مكثف استمر لمعظم ساعات النهار على معسكر دورو للاجئين في المابان، وعلى سوق مدينة البونج. وقد أسفر الهجوم عن مقتل سبعين من اللاجئين من سكان معسكر دورو، بالإضافة إلى عدد من  المواطنين من سكان مدينة البونج والمناطق المحيطة بها.  كما قامت مليشيات الجيش الأبيض بتنفيذ مجزرة بالأسلحة البيضاء في قلب سوق مدينة البونج، حيث قامت عناصر المليشيات بذبح 14 طفل بين سن التاسعة والرابعة عشر، من أطفال اللاجئين.
ومن الملاحظات الهامة والجديرة بالذكر، أن معظم هجمات مليشيات قوات دفاع المابان، خلال دورها في حرب الوكالة لمصلحة النظام الحاكم في الخرطوم، عادة ما تتم على معسكرات اللاجئين بالتزامن مع بداية واشتداد الحملات العسكرية للحكومة السودانية، الأمر الذي يرجح الغرض العسكري المزدوج من ذلك بخلق حالة عامة من الفوضى داخل معسكرات اللاجئين ومن ثم احداث حالة من الارباك وسط قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال، داخل الحدود السودانية تجاه ما يحدث في معسكرات اللاجئين، من أجل اضعافها عسكريا لمصلحة القوات الحكومية والمليشيات التابعة لها.
خاتمة وتوصيات:
كشفت حادثة الهجوم المروعة على معسكر دورو للاجئين عن ضعف الحماية التي توفرها القوات الأممية التابعة للمفوضية السامية لشئون اللاجئين، خصوصا في ظل المخاطر الأمنية المضاعفة التي تواجه المعسكرات باعتبار قربها من مناطق الحرب في جنوب السودان والنيل الأزرق. ويشير حجم القوة المخصصة لحماية المعسكرات (120 جندي فقط لأربع معسكرات) الى عدم قدرتها على توفير الحماية الكافية للمدنيين في المعسكرات عند تعرضها لأي هجوم. هذا الوضع يضع على عاتق الهيئات الأممية على المستوى القيادي مهمة إيجاد الوسائل المناسبة لدعم قوات حماية المعسكرات لتصبح قادرة على أداء دورها بشكل أكثر فعالية، يحول دون تكرار هذه الجرائم والهجمات.
كما يضع الهجوم على معسكر دورو على عاتق المفوضية السامية لشئون اللاجئين وضع قضية المحاسبة ضمن اهتماماتها، والإسراع بإجراء تحقيق شامل وشفاف وعلني عن الهجمات المتكررة التي ظلت تتعرض لها معسكرات اللاجئين بالمابان، واستعمال نتائج هذا التحقيق في الكشف والإعلان عن الاطراف الضالعة فيها، داخلياً وخارجيا، ومن ثم وضع التدابير اللازمة لإيقافها ولإعمال أدوات المحاسبة وتحقيق العدالة.
وأكدت أحداث معسكر دورو عن قسوة الأوضاع الإنسانية التي يعيشها النازحون داخلياً وخطورة عودة اللاجئين الى النيل الأزرق عند تعرضهم الى المخاطر الأمنية بمعسكرات اللجوء، خاصة في ظل الحظر الذي تفرضه الحكومة السودانية بمنع إيصال المساعدات الانسانية للمحتاجين منذ أكثر من خمس سنوات، وربطها لإيصال المساعدات الانسانية بالشروط والترتيبات السياسية والأمنية. الأمر الذي يحتم ممارسة الضغوط الكافية على الحكومة السودانية للسماح بإيصال المساعدات الإنسانية دون قيود أو شروط، وبما يتفق مع القانون الدولي الإنساني.
كما فضحت أحداث الهجوم على معسكر دورو مشاريع الحكومة السودانية في مواصلة استغلالها للتعقيدات الإثنية في تكوين المليشيات القبلية للقتال بالوكالة عنها في حروبها الأهلية. وكشف الهجوم عن ان اللاجئين في مقاطعة المابان يتم التعامل معهم ضمن المناورات العسكرية والسياسية للحكومة السودانية. هذا إضافة الى ان تجييش المليشيات الاجنبية من دول الجوار في الحروب الداخلية يعد مهدداً خطيراً للاستقرار والأمن في دول الجوار وفي المنطقة عموما، كما هو الحال في توليد ودعم المليشيات القبلية داخل دولة جنوب السودان للمشاركة في حروب الوكالة المتعددة. ان توظيف المليشيات المحلية والأجنبية العابرة للحدود يتطلب تطوير معالجات جذرية ضمن برنامج اصلاح القطاع الأمني، ومشاريع للمصالحة والعدالة الانتقالية لضمان مستقبل السلام العادل والدائم في السودان.
أخيراً، يشير الهجوم على اللاجئين السودانيين في دورو الى اهمية انتباه المجتمع المدني السوداني والقوى السياسية الوطنية، الي المآسي التي يعيشها هولاء اللاجئون جراء الحروب الأهلية في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان/ جبال النوبة، خاصة أولئك المنتشرون في معسكرات اللجوء في دول الجوار (أثيوبيا، جنوب السودان، تشاد)، واهمية القيام بحملات واسعة للتضامن معهم. كما يجب على القوى السودانية الوطنية وضع قضية النازحين واللاجئين ضمن أولويات الحلول الشاملة والدائمة لأزمات السودان المتعددة.


Thursday, December 1, 2016

اعظم نتائج العصيان المدني…الثقة بقدرات الشعب


لاستمرار حكم الاسلام السياسي لاكثر من ربع القرن، ظن بعضنا ان الشعب هزمته تدابير المشروع الحضاري. و هذا المشروع لو تعلمون، هدفه الغاء الآخر و سيادة اهل الاسلام السياسي ، الغاء الآخر بالعوز و المسغبة تارة، و تهجير امثالي الي اقصي بقاع الارض تارة اخري، اما ذاك النوع المارد الجبار المصادم فيلغي بالاعدام و كان الشهيد الدكتور علي فضل قائد هذه الفصيلة. و عندما طال الامد اعلن الكثيرون عن يأسهم في هذا الشعب، و اعلنوها بوقاحة (شعب مافيه فايدة، شعب يستاهل حكم الانقاذ ,,الخ). هذه التدابيركانت للاجيال المعاصرة اما جيل الغد فقد اعدوا له خطة اخري اعتقدوا انها ناجعة، ان يقدموا لهم تعليما ناقصا يعوقهم و يجعلهم رهن اشارتهم. و لكن يمكرون و الله خير الماكرين.

هذا الجيل الذي ارادوا له الجهل ثم التبعية و الانقياد، هم الآن ابطال ملحمة العصيان المدني الذي خططوا له و نفذوه باقتدار اثار اعجاب العالم و دهشته. قدموا علما ناقصا لابنائنا في المدارس و الجامعات، و لم يعلموا ان الله سخر لهم تكنولوجيا العصر ووجدوا العلم الذي حجب عنهم متاحا، بل وجدوه سلاحا لهزيمة الطغاة الجهلة.

الشعب ايها الاحباب ليس حسن و حسين و ست النفر و نفرين، نعم يتكون من جموع الافراد، و لكنه قوة تتكون من الافراد و من ثقافاتهم و فنونهم و ابداعاتهم و معتقداتهم، و لذلك ذاكرتها الجمعية قوة عظيمة، و لانها كذلك فهو ذاك الشعب الذي يعرف “لا لا مكانه وين و مكان نعم ، و هو الجفير الما بيخش جواه سيفا بينكسر، ابو الحسب ابو النسب يا شعبي يا قاسي الغضب.”
العصيان المدني كان ناجحا مليون في المائة ، و اعظم نتائجه ان خبرنا بالدليل القاطع ان هذا الشعب قادر علي هزيمة الطغيان ، و مباراة التمرين كما ترون، هزت عروش الطغاة و اقلقت مضاجعهم. لكن الاهم من ذلك ان ترتفع ثقتنا بالشعب لمليون في المائة!!
كان الناس يتساءلون : من البديل؟ و جاءتكم الاجابة اليوم من الشعب: ان البديل موجود في رحم هذه الامة و سيولد خلال المعركة، و ستظهر قيادات من صفوف الشباب، و سيتقدم القادة في احزابنا التقليدية، كما هي العادة، يوم النصر. و انا واثق ان الاجيال الحديثة ستعرف كيف تمازج بين القيادتين او تنشئ قيادة حديثة و بمعايير جديدة.

و لا شك اننا نخشي علي ثورتنا الثالثة من ان تسرق من جديد، و لكن ابناءنا يعلمون انه لا يلدغ المؤمن من جحر ثلاثة مرات. في ساحات الديمقراطية، لا يمكن ان تحجر العمل الساسي علي احد، فلتات جبهة الميثاق من جديد، و يحكم عليه هذا الشعب و نصب عينيه تجربة اعوام حكم الانقاذ. سمعت الشيخ ابراهيم السنوسي يتحدث و يبشرنا بانه نذر ما تبقي من عمره لاسقاظ النظام!!! يا سسسسلام (كما يقولها احمد زكي في الفيلم)!!! باقي عمرك لموا عليك، فنحن يهمنا ما مضي من عمرك فيما انفقته، و نبشرك ان قضاءنا العادل بقيادة مولانا سيف الدولة و رفاقة سيحاسبك علي ما مضي من عمرك حسابا عادلا.

التهنئة لشعبي بنجاح العصيان المدني، و الآن قوموا لثورتكم يرحمكم الله.

AddThis