Thursday, November 28, 2024

حرب أبريل العبثية وإرهاصات المجاعة

 



يواجه السودان أزمة حادة في الأمن الغذائي، وقد صُنِّف ضمن الدول التي تعاني من مستويات جوع هي من بين الأسوأ عالميًا. وبحسب بيان المتحدثة المساعدة باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فإن أكثر من 24.6 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي. وتظهر حسابات مؤشر استراتيجية التكيف المخفض (rCSI) أن معظم الأسر في مختلف أنحاء البلاد تستخدم اليوم استراتيجيات متعددة للتكيف مع الجوع، في حين تسجل الأسر في ولايتي دارفور والخرطوم أدنى معدلات التكيف بسبب محدودية الموارد المتاحة، والتي لا تكفي في المتوسط لتلبية الاحتياجات الغذائية لأكثر من أسبوع واحد.

إمكانيات زراعية ضخمة ومخزون حيواني واعد تمثل الزراعة والإنتاج الحيواني الركيزة الأساسية للأمن الغذائي في السودان، إذ تتوافر كل مقوماتهما من حيث المساحات الشاسعة، والمياه، والتنوع المناخي، والأراضي الخصبة، بما يعادل نحو ثلث مساحة السودان البالغة 1,886,068 كيلومترًا مربعًا (728,215 ميلًا مربعًا). وتُقدَّر المساحة الصالحة للزراعة بنحو 41.8 مليون فدان، منها حوالي 1.9 مليون هكتار (4.7 مليون فدان) من الأراضي المروية. أما القطاع المطري التقليدي فتبلغ مساحته المزروعة نحو 23 مليون فدان، ويؤدي دورًا كبيرًا في توفير الغذاء، حيث يُنتج محاصيل رئيسية مثل الذرة الرفيعة (11% من إنتاج السودان)، والدخن (90%)، والذرة الصفراء، والسمسم (28%). ويتذبذب الإنتاج في هذا القطاع تبعًا لكمية الأمطار وتوزيعها، ويعمل فيه ما يقارب 55% من القوى العاملة الزراعية.

أما الثروة الحيوانية، فقد قُدّر حجم القطيع القومي عام 2020 بنحو 109,925,000 رأس (31,787,000 من الأبقار، 41,000,000 من الضأن، 32,218,000 من الماعز، و4,920,000 من الإبل). ويتركز نحو 80% من هذا القطيع في القطاع التقليدي المعتمد على المراعي الطبيعية. كذلك يُقدَّر المخزون السمكي بنحو 72 ألف طن سنويًا، موزعة بين النيل وروافده التي يبلغ طولها 6400 كيلومتر بمساحة 2 مليون هكتار، إضافة إلى بحيرات الخزانات والمياه الإقليمية في البحر الأحمر، فضلًا عن الموارد المائية غير النيلية المقدَّرة بـ 2.8 مليار متر مكعب، والتي تمثل جميعها مصادر محتملة لتعزيز إنتاج الأسماك، إلى جانب الاستزراع السمكي.

وفقًا لتقييم بعثة المحاصيل والإمدادات الغذائية (CFSAM)، بلغ إجمالي إنتاج الحبوب في موسم 2021/22 حوالي 5.1 مليون طن متري (منها 700 ألف طن قمح و3.5 مليون طن ذرة رفيعة)، في حين تُقدَّر الحاجة الاستهلاكية بنحو 7.6 مليون طن متري (2.4 مليون طن قمح و5.2 مليون طن ذرة).

تفاقم الأزمة بسبب الحرب لقد أدت الحرب المندلعة منذ منتصف أبريل 2023 إلى تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث لحقت أضرار جسيمة بالقطاعين الزراعي والحيواني، وقدرت الخسائر بحوالي 2.2 مليار دولار. وتشير التقديرات الأولية إلى خروج نحو 3 ملايين فدان عن دائرة الإنتاج، ودخول أكثر من 800 ألف مزارع في دائرة العوز، خاصة بعد وصول الحرب إلى ولاية الجزيرة التي تضم أكبر مشروع زراعي مروي في أفريقيا بمساحة 2.3 مليون فدان. هذا المشروع، الذي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني ومصدر دخل لأكثر من مليون أسرة، تعرض لانهيار شبه كامل نتيجة القتال والفوضى الأمنية، حيث دُمِّرت بنيته التحتية، وأُتلفت قنوات الري، ونُهبت مدخلات الإنتاج. كما شمل الانهيار مشروعات مروية أخرى مثل سنجة والسوكي (120 ألف فدان ويعمل فيهما 12 ألف مزارع)، فضلًا عن تضرر المشاريع المطرية في الدالي، المزموم، الرهد، والفاو، والتي خرجت جميعها تقريبًا من دائرة الإنتاج.

القطاع المطري التقليدي لم يسلم هو الآخر من الخراب، حيث نزح أغلب المزارعين رغم أن نحو 85% من السكان في هذه المناطق يعتمدون عليه. أما في المناطق الآمنة نسبيًا شمالي وشرقي السودان، فقد تقلص حجم تمويل المزارعين بنسبة تقارب 90%، بينما ارتفعت تكاليف الإنتاج بصورة هائلة نتيجة تضاعف أسعار الوقود (بأكثر من 400% في بعض المناطق التي تعتمد على الطلمبات)، إضافة إلى نقص الإمداد الكهربائي للمشروعات المروية وارتفاع أسعار الأسمدة.

كذلك تقلصت مساحة المراعي الطبيعية بنسبة 65%، وتعرضت للتلوث بفعل القذائف والألغام. وقد أدى الصراع إلى تراجع تقديم الخدمات البيطرية بنسبة 64%، خاصة فيما يتعلق بالتطعيم، ومكافحة الأوبئة، وخدمات الإرشاد، وتأهيل المراعي. وقد أدى الصراع إلى تراجع تقديم الخدمات البيطرية بنسبة 64%، خاصة فيما يتعلق بالتطعيم، ومكافحة الأوبئة، وخدمات الإرشاد، وتأهيل المراعي. كما دُمرت البنية التحتية لقطاع الثروة الحيوانية، بما في ذلك المعمل المركزي لإنتاج اللقاحات والأمصال، وتعرضت المستشفيات البيطرية للنهب، وتوقفت العمليات الفنية بسبب غياب الأمن. وانعكس ذلك على انتشار الأمراض الحيوانية الوبائية في مناطق كانت تُعرف تاريخيًا بالإنتاج الوفير.

انهار كذلك قطاع الألبان والدواجن لفقدانه مقومات الإنتاج الأساسية، بينما واجه المربون صعوبات هائلة في تسويق مواشيهم بسبب إغلاق الأسواق، وغياب المشترين، وصعوبة الوصول إلى مناطق الاستهلاك، فضلًا عن تفشي السرقة والنهب في ظل الانهيار الأمني. وإلى جانب ذلك، تخلى كثير من الرعاة والكوادر المدربة عن مهنتهم بانضمامهم إلى صفوف المقاتلين، ومن غير المرجح أن يعودوا مستقبلًا إلى مهنة الرعي. وعلى ضوء هذه التطورات، أصبحت البلاد تواجه أزمة أمن غذائي خانقة، مع مؤشرات واضحة تنذر بالمجاعة.

سبيل النجاة من الكارثة إن معالجة هذه الأزمة تتطلب قبل كل شيء إيقاف الحرب وفتح الممرات الإنسانية لتوصيل المساعدات، إلى جانب تبني استراتيجيات طويلة الأمد وسياسات تشجع على الإنتاج الزراعي والحيواني، وتعزز البحث العلمي والتطوير، وتحسن البنية التحتية وسلاسل التوريد، والاستثمار في التقنيات الرقمية لتحقيق استدامة الأمن الغذائي في المستقبل.

Saturday, June 29, 2024

التعليم احد ضحايا حرب ابريل العبثية و مهددات تقسيم البلاد

 



أطفأت الحرب بهجة “مروان” (6 أعوام) الذي كان يستعد للذهاب إلى المدرسة اعتبارًا من نهاية العام 2023 ضمن تلاميذ الصف الأول بمدرسة خاصة تقع جنوب العاصمة السودانية، وبدلًا عن ذلك وجد نفسه نازحاً في مدينة دنقلا شمال السودان داخل مركز إيواء، اعتقد للوهلة الأولى أنه سيدرس في هذا المكان.

مع إصرار الحكومة السودانية التي تتخذ من مدينة بورتسودان شرق البلاد عاصمة مؤقتة على فتح المدارس في الولايات الآمنة، فإن ملايين الأطفال في المناطق الساخنة لم يعثروا على حل بشأن مصيرهم، ما يعني فعلياً انقسام السودان ما بين مناطق يتوفر فيها التعليم وأخرى لم تنجو من القذائف الصاروخية.

في إقليم كردفان الواقع غربي البلاد، فر 2.5 مليون طفل مع عائلاتهم إلى خارج الإقليم، بعضهم لجأ إلى دول الجوار، وتشكل هذه الإحصائية الصادرة من المجلس القومي للطفولة أكبر حالة نزوح للأطفال على مستوى دول الإقليم.

يركض في فناء مخيم يركض الطفل مروان في فناء مركز الإيواء بمدينة دنقلا الواقعة على بعد 600 كيلومتر شمالي العاصمة السودانية وقت الظهيرة مع درجات حرارة مرتفعة، لا يعبأ لمصيره عما إذا كان سيبقى هنا طويلًا بلا تعليم أم يحالفه الحظ وتتوقف الحرب. بينما تقول والدته مريم (35 عاماً) لـ(سودان تربيون) إن طفلها سألها في أول يوم وصل فيه إلى مخيم الإيواء هرباً من جحيم الحرب في الخرطوم إن كانت هذه هي المدرسة التي سيرتادها، وجاء الرد من خلال دموعها التي أغنته عن الإجابة.

تُقدر منظمة "اليونيسيف" عدد الأطفال الذين ظلوا بلا مدارس خلال الحرب بـ 18 مليون طفل، ومع دخول القتال العام الأول قد تقفز الإحصائية من 19 إلى 21 مليون طفل نتيجة وصول بعض الأعمار إلى سن الدراسة، طبقاً للباحث أحمد المأمون.

يتوارى الأمل لا ترى صفية محمد حسن، وهي مديرة مدرسة حكومية في العاصمة، "أملًا قادمًا في الطريق" لينقذ أطفال السودان من أزمة التعليم. وتحدثت عن "أسباب جوهرية" تعطل المدارس، منها نزوح الأطفال ومغادرة البعض للخارج، والسبب الثاني "البطون الخاوية" التي أصابت غالبية النازحين داخليًا، مما جعل فكرة إرسال طفل للمدرسة نوعاً من الرفاهية.

وتُرجح حسن انخراط جزء كبير من الأطفال (12-18 عاماً) في القتال، إما لجلب المال لعائلاتهم أو بحثاً عن تحدٍ جديد، كونهم لا يدركون مخاطر التجنيد. وتعزو الأزمة إلى مشكلات هيكلية بدأت حكومة حمدوك في معالجتها قبل انقلاب 25 أكتوبر 2021.

حُلم فوق وسادة بلاستيكية في بورتسودان، يقول علي حسن (60 عاماً) النازح من الخرطوم: "أطفالنا لا يذهبون إلى المدرسة هنا". في فناء المدرسة التي تحولت لمخيم إيواء، يضيف: "إذا أردت إرسالهم للمدرسة يجب أن أحصل على وظيفة ومال لسداد إيجار منزل، وهذا مستحيل فنحن لا نتلقى دعماً من أي جهة".

الحل وقف الحرب يعتقد مالك دهب، المسؤول السابق بشمال دارفور، أن السودان لا يمكنه المضي قدماً في التعليم قبل وقف الحرب، مؤكداً أن المبادرات يجب أن تكون شاملة لجميع الأطفال.

أسوأ أزمة تعليمية تؤكد مانديب أوبراين، ممثلة اليونيسيف في السودان، أن البلاد تواجه أسوأ أزمة تعليمية عالمياً، حيث يوجد 18 مليون طفل بلا تعليم. وكشفت عن تحول 14% من المدارس في السودان إلى مراكز إيواء. وأشارت إلى أن اليونيسيف أنشأت ألف مساحة تعليمية آمنة ودعمت منصة رقمية مجانية للوصول للمناهج السودانية.

نقطة سوداء وبصيص أمل يوضح سعيد حجازي، نائب منسق مشروع "الشعب المعلم" بشندي، أن توقف المدارس ضاعف المشكلات النفسية لطلاب الشهادة السودانية، مما دفع الكثيرين لسوق العمل أو الزواج المبكر. وفي الدمازين، نجح مشروع "الشعب المعلم" في افتتاح مراكز تعليمية استوعبت مئات الأطفال النازحين.

الحلول الحكومية انطلق العام الدراسي في ولايات مثل الشمالية والبحر الأحمر ونهر النيل في مايو 2024. في البحر الأحمر، انتظم 136 ألف طالب في المدارس، مع الإبقاء على 60 مدرسة كمراكز إيواء وتوزيع طلابها على مدارس قريبة.

ملامح تقسيم السودان يحذر سامي الباقر، المتحدث باسم لجنة المعلمين السودانيين، من أن الإجراءات الحكومية لفتح المدارس في مناطق دون أخرى تقود لتقسيم السودان، لأن مصير الأطفال في مناطق النزاع يظل مجهولاً، مطالباً بتوفير أجور المعلمين وتخصيص مواقع بديلة للنازحين المقيمين في المدارس.

بينما يرى مسؤول بوزارة التربية والتعليم أن استئناف التعليم وتأهيل المدارس يحتاج لتمويل يقدر بمليار دولار سنوياً وضمانات بعدم اتساع رقعة الحرب.

Monday, January 22, 2024

الصحافة في أزمنة الحرب..استهداف الصحفيين وقصف الحقيقة

 




ظل طرفي الصراع في السودان، يستهدفان الصحفيين ويمارسان عليهما ضغوط تمنعهم من ممارسة عملهم وتعترض طريقهم، كلما اجتهدوا في الوصول لموقع الحدث لتوثيق الحقيقة ونقل المعلومة من مصادرها وجدوا أنفسهم محاصرين من قبل قوة مدججة بالسلاح، لايهم لمن تتبع فالطرفين سيان في التعامل مع الصحفي فهو العدو الأول مخبر، متعاون، جاسوس ..ألخ من الاتهامات، قل ما يفلت الصحفي من الحصار ويعود سالمًا، بعضهم لقوا حتفهم وبعضهم تعرض لاحتجاز في ظروف احتجاز غير قانونية مع ممارسة التعذيب والقمع.

تتفاقم معاناة الصحفيين السودانيين مع استمرار الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات السريع والتي دخلت شهرها العاشر منذ منتصف أبريل 2023، وأصبح العمل الصحفي أشبه بالمخاطرة، ويعرض الصحفي نفسه للموت ويدفع حياته ثمنًا في سبيل البحث عن المعلومة وتوثيق الحقيقة.

المفارقة أن الطرفين يمنعان الصحفيين من نقل المعلومة للمواطنين، بينما يدعي منسوبيهما منذ بداية الحرب بتوثيق ونقل المعلومة من موقع الحدث، عبر بث مقاطع مرئية حية ومباشرة، لإلحاق الهزيمة بالعدو والاحتفال بالانتصارات، ومع ذلك يمنعون الصحفيين حتى من التأكد من صحة تلك المعلومات.

249 انتهاكًا خلال عام واحد: ورصدت نقابة الصحفيين السودانيين في التقرير السنوي الأول عن أوضاع الحريات الصحفية في السودان، حيث بلغت 249 حالة انتهاك تعرض لها الصحفيات والصحفيون، وذكرت في التقرير المنشور في المواقع أن عدد التقلي 4 ، 23 حادثة تهديد، 17 حالة اطلاق نار، 93 اقتحام ونهب لبيوت الصحفيين، وبلغ عدد حالات الاحتجاز 28 والاعتقال 18، إضافة إلى 25 حالة ضرب ونهب، بينما بلغت حالات الاعتداء على المؤسسات 22 حالة، حالتي اختفاء قسري ومثلهما منع من السفر.

ومازالت الانتهاكات مستمرة باستمرار الحرب ووصلت حد القتل مثل حادثة مقتل الإعلامي بقناة النيل الأزرق أحمد يوسف عربي، لازالت الروايات متضاربة عن إصابته برصاصة طائشة من أفراد من الجيش والبعض يتحدث عن تصفيته. بالإضافة للاعتقال على أساس الهوية من قبل طرفي الصراع واستمرار حالات الاختفاء القسري مثل الصحفي بوكالة السودان للأنباء عبدالرحمن واراب المخفي قسريا وفي حالة احتجاز غير مشروع من أكثر من ستة أشهر.

تقدير موقف: كشفت ورقة عمل أعدها وزير الثقافة والإعلام السابق فيصل محمد صالح، تحصل “راديو دبنقا” على نسخة منها، عن الخسائر التي تعرضت لها جميع وسائل الإعلام بأشكاله المختلفة، المرئي، المسموع، المقروء والالكتروني، وكشفت عن أن أكثر من 80% من وسائل الإعلام السودانية لم تعد تعمل. وتجد نسبة مماثلة من العاملين في وسائل الإعلام أنفسهم عاطلين عن العمل، ما يؤكد تأثر الإعلام السوداني بشكل كبير بالحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023.

أوضاع الصحفيين والإعلاميين: أوردت ورقة فيصل التي تمثل “تقدير موقف” لوضع الصحفيين حاليًا في ظروف الحرب مع مقترحات لحلول ومعالجات شاملة، عدد الصحفيين المسجلين لدى نقابة الصحفيين السودانيين والذين يقترب عددهم من ألفين (2000)، لكنها أكدت أن العدد الفعلي للعاملين في المهنة يفوق ذلك، خاصة في مدن الولايات خارج العاصمة. ويمكن القول أن حوالي 80% من الصحفيين حالياً عاطلون عن العمل ولا يحصلون على أجر شهري. وأشارت إلى معظم المؤسسات الإعلامية توقفت عن عملها ما أدى إلى توقف الرواتب. حتى أن بعض العاملين في بعض الولايات يشكون من عدم استلام رواتبهم. مثل مئات الآلاف من السودانيين، وأكدت أن مئات الصحفيين هاجروا إلى ولايات أخرى في ظروف صعبة للغاية، حيث وجدوا صعوبة في تغطية نفقات الإيجارات الباهظة وغيرها من ضروريات الحياة.

لكن بعض الصحفيين الذين نزحوا إلى ولايات أخرى اضطرتهم ضغوط الحياة وظروف المعيشة القاسية إلى امتهان مهن أخرى، رغم تمسكهم بالمهنة.

احتياجات ملحة: أوصت الورقة على ضرورة دعم وسائل الإعلام القائمة: الدعم المالي والفني والمهني لوسائل لإعلام الموجودة في السودان، بما في ذلك التمويل والمعدات الفنية والتدريب على السلامة أثناء الحرب. ورأت أن يتم التنسيق مع نقابة الصحفيين السودانيين لتقديم الدعم والحماية المباشرة للصحفيين الذين يواجهون التهديدات، وتوفير مساحات آمنة، والدعم المالي، والرعاية الصحية. كما دعت الورقة إلى توفير فرص عمل جديدة للصحفيين السودانيين من خلال السماح بمقترحات إنشاء صحف جديدة ومنصات إلكترونية مع التدريب المهني المناسب.

ونادت التوصيات التي أوردتها ورقة وزير الإعلام السابق والكاتب بصحيفة الشرق الأوسط فيصل محمد صالح، بضرورة تصميم حملة تضامن دولية لتسليط الضوء على ظروف عمل الصحفيين السودانيين خلال الحرب، والتأكيد على التهديدات التي يواجهونها، مثل القتل والقيود على حقهم في العمل. ويجب أن تدعو الحملة إلى حماية الصحفيين في مناطق النزاع والاعتراف بحقهم في العمل الآمن في اتفاقيات تسهيل الحركة والمساعدات الإنسانية بين الأطراف المتحاربة.

فقاعات إعلامية: يعتقد الصحفي الفاتح وديدي أن أول ضحايا الحروب هي الحقيقة وما يحدث الآن قبل أن يكون هنالك قصف بالدانات على المواطنين، المنشآت، المراكز الخدمية أو استهداف المنافع الحربية هو استهداف للحقيقة، أو قصف للحقيقة، ويرى أن الحقيقة واضح أنها المغيب الأول في هذه المعارك.

ويقول الفاتح لـ”راديو دبنقا” إنَّ كل الأطراف المتصارعة من مصلحتها أن لا يكون هنالك صحافة حرة ونزيهة، وتغييبها في مثل هذه الأوضاع يكون مقصود، لأنه كل الفاعلين الحربيين في المشهد يحاولون التغطية على الحقائق، يطفوا سيولة على المشهد لكي يكونوا هم الصوت الوحيد لابراز المعلومات وبذلك، كما يرى، يتأتى لهم سيطرة متوهمة أو متخيلة على المشهد وهذا الأمر يساهم في ازدياد حدة الاستقطاب، لأن المعلومة المتاحة هي من طرف واحد وما من سبيل ليتم التحقق منها ومعرفة الصحيح من الزائف، والمضلل والمفبرك.

ومن وجهة نظر الفاتح كما يقول “نحن أصلًا في عصر ما بعد الحقيقة وفكرته قائمة على أن كل الناس تعيش في حالة استقطاب وكل يغرف مما يليه”، ويضيف” كلنا موجودين في فقاعات إعلامية يقرينا المشهد من وجهة واحدة، وبالتأصيل الديني لا أريكم إلا ما أرى ليس هنالك شئ مبذول إلا من الوجهة التي ينظر بها من يتحكم في الإعلام”.

ويرى أن هذا الأمر يتيح سيطرة متخيلة أو متوهمة على المشهد تتيح انتصار معنوي أو مريح نفسيًا، وهذه هي طبيعة المعارك أو كما يستشهد لنا بمقولة غوبلز الشهيرة “إكذب.. إكذب حتى يصدقك الناس” وجوزيف غوبلز كان بوق إعلام هتلر.

ومواصلة لذات الرأي يصف الصحفي اسماعيل محمد علي مراسل موقع “اندبندنت عربية” في الخرطوم في حديثه لـ”راديو دبنقا”: واقع الصحافة في السودان بأنه مؤلم جدًا وسجلها مخزٍ. أرجع ذلك إلى أن البلاد ظلت في أغلب سنواتها منذ الاستعمار تحت الحكم الديكتاتوري. ويرى أن الآن الأمر أصبح أكثر سوءً في ظل الحرب المشتعلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ 15 إبريل الماضي، لأن الطرفين غير ملمان بقواعد العمل الصحفي باعتباره الكيان المحايد، والذي يتلقى من الجمهور معلومات تتعلق بما يدور من معارك وتطورات في هذا الجانب.

الهوية الصحفية دليل إدانة: وعن تجربته الشخصية أي في رحلته اليومية كصحفي يقوم بواجبه في البحث عن الحقيقة ومحاولاته في الوصول لموقع الحدث، وذلك بسبب التضليل الذي بدأ مع بداية اندلاع الحرب فقد ضاعت الحقيقة وتم إقصاء الصحفيين بعنف وبطش لكي لا يستوثقوا مما يبثه إعلام الطرفين.

يقول إسماعيل: إنَّه ظل موجودًا في الخرطوم لأكثر من شهرين لتغطية الاحداث وهي مؤلمة للغاية، ويشير إلى أنه لم يكن يستطيع اشهار سفي ويتعرض لمعاملة سيئة، وهذا طبعا حدث لعدد من الزملاء والزميلات، خلال تغطيتهم لأخبار الحرب، ويضيف: وفقدنا وأرواح لزملاء معروفين وهم يمارسون عملهم المهني. كان أيضًا من الصعب عليهم كما قلت اشهار الهوية الصحفية، خاصة في التعامل والاتصال بمنظمات الحماية المختصة بحماية الصحفيين، واحدة من الخيارات المهمة فضلًا عن عدم كشف الهوية الصحفية وعدم التحرك المنفرد كحد أدنى، وآخرها يتمثل في التوثيق والكشف أول بأول كل عن أي حالة انتهاك يتم التعرض له الصحفي.

Saturday, April 29, 2023

السودانيون يسابقون الزمن للفرار من الحرب


 

على حدود السودان مع جيرانه، تمتد طوابير طويلة من المدنيين الفارين من المعارك العنيفة التي تدور رحاها في البلاد منذ 11 يوما بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

ينتظر المدنيون المنهكون ساعات طويلة على الحدود في ظروف صعبة على أمل العبور إلى بر الأمان، وسط عراقيل يتعلق بعضها بتأشيرات السفر تفاقم معاناتهم وتطيل أمد انتظارهم.

ومع تزايد أعداد الفارين من ويلات الحرب، قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أمس الثلاثاء إنها تتوقع أن يعبر نحو 270 ألف لاجئ حدود السودان متجهين نحو تشاد وجنوب السودان وفق تقرير نشرته صحيفة “الغارديان” (Guardian) البريطانية اليوم الأربعاء.

ولم تتحدث المفوضية الأممية عن توقعاتها بشأن أعداد اللاجئين الفارين نحو مصر وإثيوبيا وبلدان أخرى مجاورة للسودان، وإن كانت قالت إن نحو 20 ألف لاجئ قد عبروا حدود السودان من منطقة دارفور نحو تشاد، بينما عبر نحو 4 آلاف آخرين الحدود إلى جنوب السودان.

وتسببت المعارك العنيفة التي شهدتها العاصمة الخرطوم، وأودت بحياة 459 مدنيا، وأدت إلى شح في إمدادات الغذاء والدواء والمال، في تدافع الناس على الحافلات المتجهة إلى الحدود مع البلدان المجاورة أو إلى بورتسودان حيث يمكنهم المغادرة من ميناء المدينة على متن عبارات متجهة إلى السعودية.

ووفق تقرير الغارديان، الذي نشر تحت عنوان “جائعون ومنهكون ومصدومون.. السودانيون يتدافعون للفرار من وطنهم”، فإن الناس في الخرطوم باتوا يعتمدون على مجموعات أنشئت على تطبيق “واتساب” وصفحات التواصل الاجتماعي لمساعدة الناس على الخروج من الخرطوم توفر المعلومات المتعلقة برحلات الحافلات المتجهة نحو الحدود.

وضع إنساني صعب وقال مراسل الصحيفة كامل أحمد الذي أعدّ التقرير إن آلاف اللاجئين الذين يسابقون الزمن للفرار من ويلات الحرب يعانون بسبب الفوضى التي تسود وسائل النقل ونقص السيولة النقدية في ظل إغلاق البنوك، ومشاكل أخرى تتعلق بتأشيرات الدخول إلى الدول المجاورة والارتفاع السريع الذي شهدته أسعار وسائل النقل، إذ تشير تقارير إلى أن سعر التذكرة في بعض الحافلات بلغ 500 دولار أميركي.

وأبرز التقرير جملة من التحديات التي تواجه الفارين من الصراع وتفاقم ظروفهم الإنسانية الصعبة، فقد أفاد العديد من المسافرين ممن فروا إلى الحدود المصرية بأنهم عالقون في طوابير طويلة من الحافلات التي ازدحم بها الطريق، وتوقف بعضها عند الحدود في انتظار الإذن بالعبور نحو مصر، وقالوا إن بعض اللاجئين لا يسمح لهم بالعبور بسبب نقص في الأوراق المطلوبة.

ونقل عن الناشطة السودانية أسمرة أدانيس قولها إن رحلة شقيقها الذي فر من الخرطوم نحو مصر استغرقت 53 ساعة منذ لحظة مغادرته محطة للباصات في الخرطوم حتى لحظة وصوله إلى المعبر على الحدود المصرية، حيث أمضى ساعات عديدة أخرى في انتظار العبور نحو مصر.

وقالت أدانيس إن الناس يغادرون منازلهم على عجل من دون أن يتمكنوا من أخذ ما يحتاجونه من ضروريات كالملابس والطعام والماء والدواء ومستلزمات الأطفال الصغار.

وأضافت أن بعض المرضى في الخرطوم لا يستطيعون الحصول على أدوية هم بأمسّ الحاجة إليها، وأن هناك أشخاصا من ذوي الاحتياجات الخاصة يعيشون في وضع مزر بسبب ظروف الحرب.

وأورد تقرير الغارديان إفادات أدلى بها العديد من المدنيين في السودان تسلط الضوء على الوضع الإنساني الصعب في الخرطوم التي خرجت معظم مستشفياتها عن الخدمة ويعاني سكانها نقصا في الغذاء والدواء والماء ويعيشون على وقع أزيز الرصاص والقصف في حرب يصعب التكهن بمآلاتها.

Friday, March 17, 2023

نظرية المؤامرة: حين يصبح الجهل أداة حكم - السودان نموذجًا

ما هي نظرية المؤامرة؟
لماذا تنتشر في المجتمعات قليلة التعليم؟
نظرية المؤامرة كأداة في يد الأنظمة الشمولية
السودان في عهد البشير: المؤامرة كسياسة رسمية
الاستهداف الغربي الدائم
دارفور: إنكار الأزمة عبر المؤامرة
الاحتجاجات كمخطط تخريبي
ما بعد الثورة: تغيّر الوجوه وبقاء الخطاب
الثورة “المخطوفة”
شيطنة لجان المقاومة
الانقلاب كضرورة وطنية
الأثر المدمر على الوعي الجمعي
الخلاصة


 في المجتمعات التي تعاني من ضعف التعليم، وغياب التفكير النقدي، وهشاشة الثقة بين المواطن والدولة، لا تبقى نظرية المؤامرة مجرد فكرة هامشية أو تفسير شعبي للأحداث، بل تتحول إلى منظومة فكرية كاملة تُعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتحدد طريقة فهم الناس للواقع، وتُستخدم – بوعي أو دون وعي – كأداة فعالة للسيطرة السياسية. والسودان يمثل مثالًا صارخًا على هذا التحول.

نظرية المؤامرة تقوم على افتراض أن ما يحدث في الواقع لا تحكمه أسباب اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية واضحة، بل قوى خفية تعمل في الظل: دول كبرى، أجهزة استخبارات، منظمات دولية، أو “عملاء” في الداخل. هذا النمط من التفكير يتميز بعدة خصائص:

  • تبسيط مفرط للواقع المعقد

  • غياب الأدلة القابلة للتحقق

  • تحويل أي نقد أو نقاش إلى “جزء من المؤامرة”

  • تقديم تفسير عاطفي بدل التحليل العقلاني

وفي البيئات الهشة معرفيًا، تصبح هذه النظرية أكثر جاذبية من الواقع نفسه.

الانتشار الواسع لنظرية المؤامرة لا يحدث صدفة، بل نتيجة شروط موضوعية:

  1. ضعف التعليم والتفكير النقدي: حين يُربّى الفرد على التلقين لا على السؤال، يصبح أكثر قابلية لتصديق أي رواية جاهزة.

  2. الأزمات المستمرة: الفقر، الحروب، والانهيارات الاقتصادية تولّد شعورًا بالعجز، ونظرية المؤامرة تمنح “عدوًا” يمكن توجيه الغضب نحوه.

  3. غياب الإعلام المستقل: الفراغ المعلوماتي تملؤه الشائعات والخطابات العاطفية.

  4. انعدام الثقة في الدولة: حين تفشل المؤسسات، يبحث الناس عن تفسيرات بديلة، مهما كانت واهية.

الأنظمة السلطوية لا تحارب نظرية المؤامرة، بل تصنعها وتغذيها، لأنها تحقق لها أهدافًا واضحة:

  • إعفاء السلطة من المساءلة

  • خلق عدو دائم يبرر القمع

  • تشتيت النقاش العام بعيدًا عن الفشل والفساد

  • تبسيط السياسة إلى صراع “نحن ضدهم”

وهنا يصبح الخوف بدل الوعي، والانفعال بدل العقل، هو المحرك الأساسي للرأي العام.

خلال حكم عمر البشير (1989–2019)، تحولت نظرية المؤامرة إلى خطاب شبه رسمي.

تم تقديم السودان على أنه ضحية “مؤامرة أمريكية–صهيونية” بسبب:

  • تطبيق الشريعة

  • استقلال القرار السياسي

  • امتلاك موارد طبيعية

وبهذا الخطاب، جرى تفسير العقوبات والعزلة الدولية، دون أي اعتراف بدور الفساد، وسوء الإدارة، والحروب التي أشعلها النظام نفسه.

عندما تفجّرت مأساة دارفور، لم يعترف النظام بجذورها السياسية والاجتماعية، بل روّج لسردية مفادها أن:

  • التقارير الدولية مفبركة

  • المنظمات الإنسانية أدوات استعمارية

  • المحكمة الجنائية الدولية مؤامرة لتفكيك السودان

الهدف لم يكن إقناع العالم، بل تحصين الداخل ومنع أي تعاطف شعبي مع الضحايا أو مساءلة للسلطة.

في كل موجة احتجاج، خصوصًا في 2013 و2018–2019، جرى تصوير المتظاهرين على أنهم:

  • مندسون

  • عملاء سفارات

  • أدوات لتخريب الدولة

وهكذا تحولت المطالب المعيشية البسيطة إلى “تهديد وجودي”، ما مهّد لتبرير العنف والقمع.

بسقوط البشير، لم يسقط خطاب المؤامرة، بل أعاد إنتاج نفسه في مرحلة الحكم العسكري.

تم الترويج لفكرة أن ثورة ديسمبر:

  • صُنعت في الخارج

  • خُطط لها في غرف استخبارات

  • استُخدم فيها الشباب كأدوات

هذا الخطاب استهدف نزع الشرعية عن الفعل الشعبي، وتقليل قيمة التغيير المدني.

بدل الاعتراف بلجان المقاومة كتنظيم شعبي مستقل، جرى تصويرها كـ:

  • خلايا فوضوية

  • أدوات أجندات خارجية

  • تهديد للأمن القومي

وهي تقنية شمولية كلاسيكية لتحويل أي تنظيم مستقل إلى “عدو داخلي”.

عند كل تدخل عسكري، طُرحت رواية جاهزة:

  • الدولة كانت على وشك الانهيار

  • المدنيون يتصارعون بأوامر خارجية

  • الجيش تدخل لإنقاذ السودان

مرة أخرى، جرى تغييب النقاش حول الحكم الرشيد وبناء المؤسسات، لصالح خطاب أمني مؤامراتي.

الخطورة في السودان لا تكمن فقط في استخدام السلطة لنظرية المؤامرة، بل في:

  • تطبيعها اجتماعيًا

  • تداولها يوميًا دون تمحيص

  • استخدامها من أطراف متنازعة متعددة

ما أدى إلى إنهاك العقل الجمعي، وتعطيل أي حوار عقلاني، واستدامة دائرة الفشل السياسي.

تجربة السودان توضح أن نظرية المؤامرة ليست مجرد سوء فهم للواقع، بل أداة حكم في الأنظمة الشمولية، وملاذًا نفسيًا في المجتمعات قليلة التعليم. كسر هذه الحلقة لا يبدأ بتغيير الحكّام فقط، بل بتغيير طريقة التفكير نفسها: تعليم يعلّم السؤال، إعلام يشرح لا يحرّض، ودولة تعترف بالأخطاء بدل الهروب إلى شماعة المؤامرة.

إن إعادة بناء السودان تبدأ من تحرير العقل قبل إعادة بناء الدولة.

Friday, July 22, 2022

الاتحاد الأفريقي و إضفاء الشرعية على انقلاب العسكر

 

عندما أعلن الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في السودان ورئيس بعثة يونيتامس ، فولكر بيرتز  تدشين مبادرة الأمم المتحدة التي تدعو الي عملية سياسية بعد انقلاب 25 أكتوبر المشؤوم في ٨ يناير ٢٠٢٢ ، تفائل الكثيرون حيال ذلك ، باعتبارها قد تشكل بصيص أمل في استعادة مسار التحول الديمقراطي المدني في السودان. تم النظر الي هذه العملية على أنها تعبير ملموس عن التزام المجتمع الدولي والأمم المتحدة تجاه عملية التحول الديمقراطي في السودان بالأفعال وليس الأقوال فقط. كان الهدف المنشود من مبادرة الأمم المتحدة هو وقف استمرار الانقلاب وعكس مساره نحو انتقال ديمقراطي مدني بشكل توافقي.  جاء ذلك بعد فشل العديد من المبادرات المحلية التي لم تكتسب زخما كافيا وأدت في النهاية إلى استقالة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك.  وأكدت الاستقالة ، التي تم الترحيب بها شعبيا بشكل واسع ، وفاة اتفاق 21 نوفمبر ، ورفض السودانيين القاطع لقبول سلطة الانقلابيين وحكمهم.  ومع ذلك ، وبعد أكثر من أربعة أشهر من إطلاق تلك المبادرة ، يبدو أنها لا تزال في المربع الأول وتتحرك فقط في مسار دائري. تبدو العملية الان مثال فعلي لمقولة لينين في وصف تأثير العقبات التنظيمية في إعاقة أي عمليات سياسية ؛  خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الخلف.
كانت العقبة التنظيمية الرئيسية التي أعاقت المبادرة ودفعت بها إلى الوراء ، هي درس لم تتعلمه الأمم المتحدة من تجربة العملية المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد).  على الرغم من إعلان يونيتامس نهاية المرحلة الأولى من العملية السياسية في 14 فبراير ، وإصدارها لتقرير ضافي ، لقي ترحيبا معقولا من قبل السودانيين ، يلخص نتائج المشاورات الواسعة التي أجرتها مع مجموعة كبيرة من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في  السودان ، الا انها لم تتمكن بعد من الإعلان عن بدء المرحلة التالية من العملية السياسية.  والسبب الرئيسي لذلك هو أن يونيتامس لم تعد وحدها التي تقرر كيفية تنفيذ مهامها.  فالعملية السياسية الآن لا تقوم على امرها بعثة يونيتامس ، بل آلية ثلاثية الأطراف تضم منظمة الايقاد والاتحاد الأفريقي.
تظهر عبثية هذا الموقف في الوقت والجهد الضائعين في في التركيز على الأدوات بدلاً عن الأهداف.  لقد كانت بعثة يونيتامس هي الإطار السياسي الذي طلب السودانيون أنفسهم من الأمم المتحدة (وليس من الاتحاد الأفريقي أو الايقاد) إنشاؤه من أجل المساعدة في الانتقال السياسي في بلادهم.  وهذا يشمل بداهة مواجهة مثل هذه الظروف الانقلابية الحالية للمساعدة في حماية الانتقال السوداني من التقهقر والانتكاس. في عالم مثالي ، كان من الممكن أن تكون مثل هذه الالية مثالًا رائعًا للتعاون الدولي والإقليمي لدعم الديمقراطية وحقوق وتطلعات الشعوب ، ولكن يبدو أن القيادة الحالية للاتحاد الأفريقي لديها نوايا أخرى في هذا الملف وذلك عبر أجندة عملت باستمرار على تحويل آليات الاتحاد الأفريقي من منظمة للشعوب الافريقية إلى نادٍ للطغاة يدعم ازدهار الاستبداد ، ويسمح للطغاة في إفريقيا بتقديم الخدمات الي بعضهم البعض. وقد أصبح هذا أكثر وضوحا في الوضع السوداني الحالي ، حيث يستخدم الانقلاب اجهزة الاتحاد الأفريقي الحالية لاكتساب الشرعية.
استخدمت قيادة الاتحاد الأفريقي بند  حول مبدأ تفريع السلطات في ميثاق الأمم المتحدة بشكل يناقض الإرادة السياسية الواضحة للشعب السوداني.  جاء استخدام هذا المبدأ على عكس ما فعلته القيادة الحالية للاتحاد الافريقي في عام 2019 ، عندما اختطف نفس الأشخاص في قيادة الاتحاد الأفريقي مبادرة رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد والتي كان يفترض ان تتم عبر منظمة الايقاد ، بدعوى علو تفويض الاتحاد الأفريقي على الدول الأعضاء والايقاد [1].  استخدمت مفوضية الاتحاد الأفريقي جميع وسائل الخطاب المنطوي على مركزية أفريقية وكراهية الاخر لمطاردة الأمم المتحدة وإجبارها على أن اعتماد الاتحاد الافريقي شريكًا بحسب إطار عمل معقد مكلف بتيسير العملية السياسية السودانية.  لقد كان الامر مثالا واضحا في تبني تكتيكات انطوائية معادية للمؤسسات الدولية بغرض خدمة المصالح الشخصية لاشخاص في قيادة الاتحاد الافريقي وبتجاهل تام لخيارات السودانيين في شئونهم وشئون بلدهم.
وقد تواترت التقارير أنه بعد قيام بعثة يونيتامس بابلاغ  الاتحاد الأفريقي عن نوايا الأمم المتحدة لبدء عملية سياسية في السودان ، وحتى قبل إعلانها، اتصل رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي السيد موسى فكي عدة مرات وبشكل ملح بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والذي كان من المقرر له اعلان مبادرة العملية السياسية، من أجل ايقاف الأمم المتحدة من اعلان هذه العملية. ونجح هذا الابتزاز في إجبار الأمين العام على التخلي عن إعلان العملية السياسية من مقر الأمم المتحدة وتحويلها إلى ممثله الخاص في الخرطوم.  كما كان لهذه الضغوط تأثير مريع داخل مقر الامم المتحدة على تقديم الدعم الكامل للجهود السياسية لبعثتهم في السودان وفتح الباب أمام مساحة إضافية للاتحاد الأفريقي لتقويض جهود المساعي الحميدة ليونيتامس في السودان وضمان التأثير على توجهاتها.  ولاحقا تفاقم هذا الامر بسبب الحرب في أوكرانيا التي لم تترك مساحة للمنظمة الاممية للتركيز على اي قضايا أخرى.
وبالطبع خدم هذا أجندة الانقلابيين العسكريين بشكل جيد. اذ انهم لم يرغبوا في عملية ذات وزن ثقيل تحظى بدعم واشراف وضمان دولي على مستوى قيادة الأمم المتحدة.  بدلاً من ذلك، فضلوا عملية محلية لا تملك نفوذا كافيا، بما يمكنهم من التلاعب بها، مع مشاركة تجميلية فقط من الخارج بشكل يمكن أن يعطيها نوعًا من الشرعية. وهو ما حصلوا عليه بفضل موسى فكي.
لم يكن خافيا على الأوساط السياسية السودانية العلاقة الوثيقة لمعسكر الانقلابيين باستدعاء الاتحاد الأفريقي للتدخل في العملية السياسية. وقد واصل الانقلابيون المدنيون الممثلون في ائتلاف الميثاق الوطني التأكيد في تصريحاتهم على أنهم لا يريدون سوى الوساطة الأفريقية. لكن الرابط العضوي أصبح واضحًا للغاية عندما تدخلت السلطات للضغط على يونيتامس لإلغاء مؤتمرها الصحفي [2] للإعلان عن انتهاء المرحلة الأولى من المشاورات وإصدار تقريرها الموجز ، بناءً على طلب مباشر من المبعوث الأفريقي: ولد لبات.
اكثر من ذلك ، قامت الأوساط الإعلامية المؤيدة للانقلاب، والتي شهدت النجاح الكبير لتكتيك الاتحاد الأفريقي في الابتزاز باستخدام خطاب الزينوفوبيا  وكراهية الأجانب ضد الأمم المتحدة في الاستمرار باستخدام تكتيك مماثل ضد يونيتامس دون ذكر المنظمتين الثانيتين حتى بعد انشاء الالية الثلاثية.  
خلال الأشهر القليلة الماضية ، شنّت المنابر الحكومية الرسمية وكبار المسؤولين الحكوميين ، بما فيهم رئيس مجلس السيادة الفريق اول عبد الفتاح البرهان ، هجماتهم ضد بعثة الأمم المتحدة والممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة فولكر بيرثيس ، دون اي ذكر للمبعوثين الآخرين من الاتحاد الأفريقي والايقاد، واتهموا الأمم المتحدة بالتدخلات الأجنبية وتجاوز الخطوط الحمراء، على الرغم من أن المبعوثين الثلاثة يديرون أنشطتهم بخصوص العملية السياسية بشكل مشترك. وذهبت الصحيفة اليومية الرسمية للقوات المسلحة في 17 أبريل إلى حد اتهام الممثل الخاص للأمين العام بيرثيس بنشر الفوضى والإرهاب وبأنه نازي [3] في محاولة رخيصة لتقليد الشوفينية السياسية التي تبناها الروس في حربهم في أوكرانيا.
ونتيجة لكل ذلك ، أصبحت المبادرة السياسية الدولية الآن رهينة لدى رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي ، السياسي التشادي موسى فقي محمد واسيرة لطموحاته السياسية الشخصية التي يتم تنفيذها حاليا عبر رئيس هيئة موظفينه: الموريتاني محمد الحسن ولد لبات.  كان لبات هو الميسر للصفقة السياسية غير المستحبة شعبيا والتي تم إجهاضها بانقلاب ٢٥ اكتوبر بين المدنيين والمجلس العسكري في عام 2019. حيث قام لبات باختطاف مبادرة رئيس الوزراء الإثيوبي ، أبي أحمد والذي كان يتولى رئاسة الايقاد حينها، بطريقة مماثلة. ومن المفارقات انه قام حينها باستخدام مبدأ تفوق تفويض الاتحاد الأفريقي على  الايقاد والدول الأعضاء في ذلك الوقت، بشكل مخالف لمبدا تفرغ السلطات الذي استخدمه الان.
هذا التناقض غير المبدئي في المواقف والإجراءات لا يمكن تفسيره او فهمه الا عند النظر إلى الدوافع الشخصية لقيادة الاتحاد الأفريقي. فالسيد موسى فكي ينظر الي الأزمة السياسية السودانية بعد انقلاب 25 أكتوبر من خلال عدسات ما يحدث في وطنه تشاد.  فمنذ وفاة الرئيس إدريس ديبي وتولي نجله محمد ديبي لمقاليد الحكم في تشاد، برزت طموحات فكي لرئاسة تشاد بشكل كبير. 
 موسى فكي (62 سنة) هو سياسي تشادي مخضرم من نفس قبيلة الزغاوة التي ينتمي إليها إدريس ديبي. وله روابط وثيقة مع الحركات المسلحة في دارفور ، ولا سيما حركة تحرير السودان – قيادة ميناوي ، وحركة العدل والمساواة – قيادة جبريل إبراهيم حيث ان كلا الحركتين تتكونان أساسًا من قبيلة الزغاوة. وكما هو معروف فقد انحازت الحركتان منذ البداية الي تأييد معسكر انقلاب ٢٥ اكتوبر وبل شاركتا بشكل فاعل في التحضير والتخطيط له.
 قبل تعيينه في مارس 2017 رئيسًا لمفوضية الاتحاد الأفريقي ، عمل فكي في عهد إدريس ديبي كرئيس لوزراء تشاد من 2003 إلى 2005 ووزيرًا للخارجية من 2008 إلى 2017.  وبكل هذه الخبرات المحلية والخارجية يتم بشكل مكثف مقارنة موسى فكي مع الرئيس التشادي الحالي؛  ابن ديبي الشاب وعديم الخبرة نسبيًا ، محمد إدريس ديبي إتنو (38 عامًا). 
ويعتبر المراقبون ان طموحات فكي الرئاسية هي أكبر تهديد حقيقي لاستمرار رئاسة ديبي الابن في الحكم [4].  موسى فكي، بكل خبرته في العلاقات الخارجية التشادية، يعرف جيدًا أنه منذ استقلال تشاد عام 1960 ، لم يصل أي رئيس إلى السلطة في انجامينا بدون دعم الخرطوم.  بل أن الانقلاب الذي أوصل الرئيس السابق إدريس ديبي إلى السلطة انطلق من داخل الحدود السودانية عام 1990 بدعم مباشر من نظام البشير.  كما أن فكي عضو في “حركة الإنقاذ الوطني” التي أسسها وترأسها ديبي حتى وفاته.
 وكذلك يدرك فكي جيدًا أن وجود اي حكومة مدنية ديمقراطية في السودان من المرجح أن تنأى بنفسها عن التدخل في الشؤون السياسية الداخلية للدول المجاورة.  وهذا ما حدث خلال الأزمة الإثيوبية الأخيرة عندما حاول الجيش السوداني ، الذي استولى الآن على السلطة في الخرطوم ، التسرع في دعم طرف ضد آخر ، بينما قاوم ذلك المدنيون الذين كانوا في السلطة مفضلين إبقاء السودان على الحياد.  
وجود نظام عسكري يسيطر على الشؤون بالخرطوم يخدم بشكل مباشر طموحات موسى فكي الرئاسية.  خاصة إذا كان ذلك بمثابة رد جميل لموسى فكي مقابل خدمات سابقة.
أما بالنسبة للوسيط الافريقي: محمد الحسن لبات (69 عامًا) ، وهو رئيس هيئة موظفي موسى فكي ، فلا يزال السودانيون متشككين في طريقة تعامله مع العملية السياسية ، بعد الطريقة الكارثية التي أدار بها المفاوضات عام 2019 [5].  علاوة على ذلك ، انزعج الكثيرون من نشره كتابًا عن مفاوضات 2019 بعد أشهر قليلة من اختتامها، والذي بالغ فيه بشكل كبير في دوره وكما احتوى على سرد لأحداث اقل ما يقال عنها انها مشكوك في صحتها إن لم تكن غير حقيقية تمامًا [6].  
ومن غير المعروف عن الرجل (لبات) انه يؤيد الديمقراطية أو الحكم المدني بل على العكس من ذلك ، بنى لبات تاريخه السياسي في بلده (موريتانيا) من خلال الانحياز إلى حكم الانقلابات العسكرية. حيث أيد لبات انقلاب معاوية ولد سيد أحمد الطايع في موريتانيا عام 1984 ، والذي استمر في الحكم حتى عام 2005. شغل لبات منصب وزير خارجية موريتانيا في منتصف التسعينيات خلال فترة حكم ولد طايع.  
 وينتشر اعتقاد واسع في الأوساط السياسية الموريتانية أن تعيين لبات وزيرا للخارجية كان مكافأة لع على الإفشاء عن رفاقه اليساريين الذين كان ينتمي إليهم قبل انحيازه للانقلاب وتسليمهم لسلطة الانقلاب.  باختصار، الرجل الذي عينه موسى فكي بشكل غير اعتيادي للمساعدة في تسهيل استعادة المسار الديمقراطي في السودان ، ليس لديه في تاريخه السياسي ما يُظهر أنه مؤيد للديمقراطية.
منذ اليوم الأول لتنصيبه كشريك في إدارة العملية السياسية السودانية ، اجتهد لبات في دعم أجندة الانقلابيين العسكريين، مع إعطاء وزن سياسي غير مستحق لعملائهم المدنيين، سواء من التحالف الانقلابي الجديد الذي يمثله ائتلاف الميثاق الوطني، أو المخلفات السياسية من فلول النظام السابق ، مثل التيجاني السيسي ومبارك الفاضل.
الأمر الأكثر غرابة في الشراكة القسرية التي جاءت بالاتحاد الأفريقي في العملية السياسية السودانية، هو أن موسى فكي أصر على إخراج ملف السودان من أيدي مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي ، وهو الهيئة المسؤولة عن حل الخلافات السياسية في الاتحاد الأفريقي ، وانتزع الملف من المفوض السياسي  السيد بانكولي اديوي ، وهو دبلوماسي نيجيري محنك انتخبته الدول الافريقية الأعضاء لهذا المنصب، وقام بتسليم الملف إلى رئيس هيئة موظفينه ذي التاريخ المثير للجدل، ولد لبات.  حدث هذا على الرغم من أن مجلس السلم والامن الافريقي لديه آليات وظيفية نشطة في التعامل مع الشؤون السودانية ، مثل لجنة الحكماء [7] ولجنة التنفيذ رفيعة المستوى للاتحاد الأفريقي للسودان (AUHIP) [8].
 وتتضمن الآليتين قادة أفارقة محترمين يتمتعون بقدر كبير من الخبرة والمعرفة والتدخلات السابقة المؤيدة للديمقراطية في السودان مثل رئيس جنوب إفريقيا السابق ثابو مبيكي والرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو.  إنه تناقض لا يمكن تفسيره إلا بالنظر إلى المصالح الذاتية لموسى فكي في التعامل مع الوضع السوداني.
يمكن لأي شخص ينظر الي طريقة إدارة العملية السياسية الحالية في السودان مؤخرًا أن يرى بوضوح تأثير تعدد مراكز اتخاذ القرار واختلاف التوجهات حول إدارة العملية السياسية.  لقد تحوّل هدف العملية السياسية ومسارها تدريجياً من معالجة أسباب الانقلاب ووقف استمراره وعكس مساره ، إلى معالجة وحل المشاكل الناجمة عن الانقلاب وحماقة العسكريين الذين ارتكبوه. 
 الأهداف الأربعة للعملية السياسية التي أعلن عنها سفير الاتحاد الإفريقي في السودان محمد بلعيش في 12 أبريل / نيسان ٢٠٢٢ بعد لقائهم برئيس مجلس الانقلاب عبد الفتاح البرهان ، يمكن تلخيصها في تمكين وتدعيم الانقلاب، بدلا من مخاطبة المشكلة الحقيقية المتمثلة في التدخل غير الدستوري للجيش في السياسة، وقيام العسكر بطرد من لا يحبذونهم وتنصيب من يمكنهم السيطرة عليهم في المناصب الدستورية والسياسية كما يحلو لهم.
انه لامر محزن أن القيادة الحالية للاتحاد الأفريقي تقوم بتسخير مؤسسات الاتحاد الافريقي للعب دور المحلل في إضفاء الشرعية على انقلاب ٢٥ اكتوبر بعد ثورة ملهمة مثل تلك التي حدثت في السودان. ثورة كان من الممكن أن تكون مثالاً عملياً لتأسيس الديمقراطيات الشعبية في إفريقيا في القرن الحادي والعشرين. يجب على المجتمع الدولي والدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي ألا يقعوا في فخ الاستسلام لهذا الوضع المشوه الذي لا يخدم أي غرض سوى المصالح الشخصية لعدد قليل من قادة الاتحاد الأفريقي.
 من أجل حماية جهود الآلية الثلاثية من عملية الاختطاف التي تقوم بها قيادة الاتحاد الأفريقي والتي تخدم فقط مصلحة تعزيز الانقلاب، هناك ضرورة إلى إنشاء لجنة دولية متنوعة لتقديم المشورة والاشراف على توجيه العملية. ويجب أن تضم هذه اللجنة شخصيات قوية ومحترمة و مؤيدة للديمقراطية من إفريقيا وخارجها، وان تشمل المشاركة المباشرة للمبعوثين الدوليين الذين لن يعكسوا التزام بلدانهم بدعم الديمقراطية في السودان فحسب، بل سيعطون العملية وزنًا ونفوذًا أكبر ويخفف  من محاولات استخدام العملية السياسية في السودان لخدمة مصالح ذاتية لا علاقة لها بالثورة السودانية وتطلعات الشعب السوداني إن لم يُلغها تمامًا.
أحد تعقيدات الانقلاب الحالي في السودان هو أن العديد من الدول الإقليمية المجاورة كانت لهم بصماتهم في التخطيط له وتنفيذه.  الآن ومن أجل حل الأزمة السياسية التي أحدثها الانقلاب ، يجب إزالة جميع المصالح الأخرى غير المتعلقة بالسودان وتطلعات شعبه من هذه العملية.  إن شعارات الثورة السودانية متمثلة في الحرية والسلام والعدالة ، هي شعارات يجب دعمها وتبنيها وحمايتها رغم كل الظروف والتحديات ، ليس فقط في السودان ، بل في جميع أنحاء إفريقيا والعالم.

Friday, April 22, 2022

التسوية القادمة ووضعية الجنجويد

 



عقب استقالة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك وانهيار اتفاقه مع القائد العام للجيش السوداني عبدالفتاح البرهان دخلت البلاد في حالة من الاضطرابات والمظاهرات المستمرة والانفلات الأمني من قبل عصابات محلية تسمى تسعة طويلة، فضلاً عن تجدد الاقتتال القبلي في دارفور وكردفان بتورط عناصر من مليشيات الدعم السريع فيه. مسألة لم تكن مستبعدة، نسبة لأن تكوين وتركيبة هذه القوات يطغي عليها الجانب الاثني والقبلي، لذا من السهل استقطابها وانخراطها في الحروب الأهلية.

كما صاحب ذلك استمرار الانقسام والانشطار بين مكونات شرق السودان حول مصير مسار الشرق باتفاقية جوبا، عطفاً على انهيار الأوضاع الاقتصادية وتراجع سعر الجنيه أمام العملات الأجنبية. كل هذه التحديات أجبرت عددا من الجهات لتقديم مبادرات من شأنها التوصل إلى تسوية سياسية تسهم بشكل او بأخر باستكمال الفترة الانتقالية وإجراء بعض الإصلاحات.

ان تشخيص المشكلة هو جزء اساسي من الحل، حيث تعاني كل القطاعات الأمنية والاقتصادية ومؤسسات الخدمة المدنية من الانهيار والهشاشة والتدهور لذا هي بحاجة إلى تدخلات مستعجلة حتى تعود إلى أوضاعها الطبيعية المنوط بها، وهي تقديم الأمن والتنمية والخدمات للمواطنين بلا تحيز. القارئ الفاحص للمبادرات يلاحظ انها تركز على الجانب السياسي فقط، وتهدف بلا شك إلى تقريب وجهات النظر بين الفرقاء والعودة إلى الأوضاع ما قبل 25 أكتوبر 2021م، واستمرار الشراكة بين قوى الحرية والتغيير والعسكر.

ان المبادرات المطروحة التي تركز على جدلية العسكر وقحت تنطلق من وضعية غير سليمة تأسست على مصالح متناقضة وتنافس مبطن حول السلطة والاستيلاء على الثروات والموارد الاقتصادية، وبعيدة كل البعد عن القضايا الجوهرية للتغيير بالسودان، حيث يرفع الشباب الثائر شعارات تخاطب جذور الازمة السودانية وهي الحرية والسلام والعدالة.

إن هذه المطالب رغم انها مشروعة تماما وموضوعية الا انها مازالت غائبة عن التطبيق وبعيدة المنال، وفي كثير من المراحل تتآمر عليها النخب السياسية حتى لا تصبح واقعاً يفقدها الكثير من المنافع والمكاسب المتوارثة.

ان التفاعل المحدود مع مبادرات القوى السياسية كالجبهة الثورية وحزب الأمة والاتحادي الديمقراطي تتأتي من دوافع وعوامل متعددة. من هذه العوامل عدم وجود آليات وادوات فاعلة لهذه الأطراف تضغط بها على الفرقاء، فضلاً عن أن الجهات التي طرحت تلك المبادرات هي جزء من الازمة السياسية وجزء من الصراع الدائر.

في هذا الاطار ننظر إلى المبادرة الاممية الأفريقية ومبادرة أساتذة جامعة الخرطوم ومبادرة أساتذة الجامعات السودانية كبدائل لها مصداقية أكثر. لذلك ربما تصبح المبادرة الأممية الأفريقية واقعاً حياً، وهناك ارهاصات بالتوقيع عليها تلوح في الأفق.

هذا يجعلنا نتوقع ان تشهد الايام المقبلة إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من قيادات قوى الحرية والتغيير وبعض أعضاء لجان المقاومة. قضية التسوية السياسية مسألة ملحة ومهمة للغاية، لكن اي تسوية لا تتضمن مراجعة منهجية الفترة الانتقالية وقضايا إعادة هيكلة مؤسسات الدولة السودانية كالخدمة المدنية والمنظومة القضائية والدبلوماسية والاعلام، لن تكون أفضل من سابقاتها وستكرر نفس الأخطاء.

كذلك لا بد من استكمال مشوار السلام بالتوقيع مع الحركات التي لم تنخرط في اتفاقية جوبا للسلام واستكمال تنفيذ اتفاقية سلام جوبا لاسيما بنود الترتيبات الأمنية، وقبل كل شيء التعامل الجاد مع قضايا النازحين واللاجئين. لقد جربت قوى قحت التسوية مع المكون العسكري وفشل الطرفان خلال عامين عن تنفيذ اي تعهدات لهم تجاه شعب السودان، كما إن التسوية بين البرهان وحمدوك انهارت بعد شهرين من توقيع اتفاقهم. اذن فإن التسوية القادمة لابد أن تكون واضحة المعالم في التفاصيل الدقيقة ذات الأهمية لبناء السودان، وان تعالج قضايا الأمن ومعاش الناس وعلاقات السودان الدولية باعتبارها مربط الفرس في نجاح اي فترة انتقالية.

فضلا عن ذلك هناك أيضا قضايا تشكل تحديا حقيقيا أمام فاعلية الفترة الانتقالية كوضعية قوات الدعم السريع بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو، هذه القوات تشكل معضلة ووضعها الحالي نشاز لذا ينبغي إعادة النظر فيه بضرورة دمجها في القوات المسلحة وتسريح بعض العناصر التي لا تتوافر فيها شروط الخدمة العسكرية.

إن الوضعية الماثلة للدعم السريع تشكل عائقا أمام استكمال مسار الانتقال المدني الديمقراطي، وذلك لأن قائدها يمارس اعمال اقتصادية على حساب ممتلكات الدولة، ولديه اطماع وطموح سياسي لا يخفى على احد بأن يصبح رئيسا للسودان في الانتخابات المقبلة، كما أنه يقود سياسة خارجية خاصة به لا تنسجم مع مصالح السودان العليا.

ان استثمار حميدتي في حالة الانقسام بين القوى السياسية، واستمراره بالسيطرة على الموارد المعدنية بالأخص الذهب حيث تسيطر قواته وشركاته على اجزاء واسعة من مناطق التعدين الاهلي في شرق السودان ونهر النيل وجنوب كردفان وجنوب وشمال دارفور وذلك عن طريق واجهاته الاقتصادية كشركة الجنيد وغيرها.

ان محمد حمدان دقلو يعتمد على مقاربة تقوم على توفير احتياطات واسعة من الدهب من مناجم جبل عامر وسننقو وجبل مون حتى يتثنى له تكوين ثروة مالية ضخمة يستطيع من خلالها أحداث تأثير على نطاق واسع وسط قطاعات المجتمع الفاعلة، كالإدارات الأهلية والطرق الصوفية وبعض القوىالسياسية من أحزاب وحركات مسلحة.

لذلك يجب علينا ادراك حقيقة إن التماهي مع الدعم السريع والسماح له بدور سياسي سيشكل تهديدا وجوديا لوحدة السودان وتطوره، ناهيك عن استقرار الفترة الانتقالية.

AddThis